فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك، وإياك و عوامهم فإن وراءكم أياما صبر الصابر فيهن كالقابض على الجمر) . ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة. ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال:(سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:
{يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر ، فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله. قلت يارسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم). وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم.
فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه ، وفقها في سنة رسوله وفهما في كتابه ، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه ، وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه. كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم. فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه، فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله.