منذ كتبت، كانت معدودة من الملكية العامة، إذ لو كانت ملكا خاصا لأبي بكر لما ورثها غير أبنائه من بعده، وأغلب الظن أنها لم توضع لدى حفصة إلّا لتكون رهن تصرف الخليفة الثالث، حين يطلبها، وبخاصة إذا كانت حفصة من أمهات المؤمنين، وهو ما حدث فعلا «1» .
نقول هذا ردا على المستشرق بلاشير الذي حاول أن يزرع الشكوك حول عملية جمع القرآن، على عهد أبي بكر، حين رجح أولا أن نسخ المصحف الذي بدأ في حياته لم ينته إلا في عهد عمر، إذ كان قبل موت أبي بكر بخمسة عشر شهرا.
ثم تساءل: هل كان عمل هذا المصحف حلا للموقف الذي خشيه عمر؟ ...
وأجاب قائلا: لقد كان المجتمع- منطقيّا- بحاجة إلى مجموعة مكتوبة من الوحي، معترف بها من الجميع، ليطبقها الجميع، فهل كانت هذه هي صحف أبي بكر؟ ... كلا، إذ أن هذه الصحف كانت ملكا خاصا لأبي بكر وعمر بصفتهما الشخصية، لا للخليفة رئيس الجماعة، ولقد دل كل شيء- إجمالا- على أن الخليفة الأول وصاحبه حين أحسّا مغبة ألا يكون لديهما نص كامل للوحي، كلفا أحد كتاب الوحي ممن سبق أن استخدمهم محمد في هذه الوظيفة- بأن يهيئه لها.
ولن نتساءل عن إمكان أن تصدر محاولة عمر- مؤيّدة أو معارضة بسلطة أبي بكر- عن سبب آخر: هو الرغبة في تملك نسخة شخصية من الوحي، كما كان يملكها صحابة آخرون للنبي، فإن الأمر لم يكن في ذهن أبي بكر وعمر أمر فرض مصحف إمام على جماعة المؤمنين، وإنما يبدو أنه من المستحسن ألّا يكون رئيس الجماعة في وضع أقل من بعض الصحابة ممّن هم أحسن حالا.
وهذا الحديث من بلاشير يقوم على عدّة دعاوى هي:
(1) نفس المصدر السابق.