الجميع الذين سمعوا آخر العرض أكثر ممن سمع أوله، فحملوا الناس على قراءة زيد، دون أبيّ وعبد الله، وإن كان الكل حقا، إذا كان- ربّ حق في بعض الزمان أقطع للقيل والقال، وأجدر أن يميت الخلاف، ويحسم الطمع، فتركوا حقا إلى حقّ، العمل به أحق، ولو أن فقيها رأى إطباق العلماء على صوم يوم عرفة، واستنكارهم الإفطار فيه فأفطر وأظهر ذلك ليعلمهم موضع الفريضة من النافلة، أو خاف أن يلحق الفرض على تطاول الأيام ما ليس فيه كان مصيبا، وكان قد ترك حقا إلى أحق منه، وللحق درجات، وللخلاف درجات وللحرام درجات ... » الخ.
على أن هذه القضية ربما اتضحت جوانبها خلال ما يلي من الحديث «1» .
وقد ذكر الدكتور هيكل أن زيدا إنما اختير لهذا العمل الجليل، دون غيره من الصحابة، لأنه شاب، فهو أقدر على العمل منهم، وهو لشبابه أقل تعصبا لرأيه، واعتزازا بعمله، وذلك يدعوه إلى الاستماع لكبار الصحابة من القرّاء والحفاظ، والتدقيق في الجمع، دون إيثار لما حفظه هو، وإن كان- المتواتر- أنه حضر العرضة الأخيرة للقرآن، حين عرضه رسول الله على جبريل للمرة الثانية، في السنة التي كانت فيها وفاته، لكن موقفه السابق مع عمر، يدلنا على أنه كان حافظا متثبتا، واعيا لما حفظ، وأنه لم يترك الصواب لأي اعتبار.
وحسبك أن ترجع إلى حديث أبي بكر لتعرف الأسباب والدوافع من وراء اختياره لهذه المهمة الجليلة، في بساطتها وروعتها.
وبهذا المنهج ألّف زيد النص القرآني، ثم أودعت الصحف عند أبي بكر، حياته حتى مات، ثم عند عمر، حياته حتى مات، ثم عند حفصة بنت عمر وأم المؤمنين.
وملاحظة انتقالها من أبي بكر إلى حفصة تدلنا إلى أن هذه الصحف،
(1) نفس المصدر السابق.