جازم، واجب التنفيذ على كل من سيشترك فيه من الصحابة، ثم التابعين من بعدهم، وهكذا ... وعليه فلو كان تردّد أبو بكر في جمع القرآن قد أمضى رأيا مجمعا عليه، فربما لم يكن القرآن قد جمع حتى عصر متأخر، ذلك لأن الأجيال التالية لم تكن لتخالف إجماعا انعقد في الجيل الأول من صحابة رسول الله.
ومن هنا كان قرار أبي بكر فيما نرى هو أخطر قرار اتخذه في حياته، وأعظم الخطوات التي تمت في تاريخ هذه الأمّة، لأنه حل أساسا مشكلة أصولية، ترتب على حلّها سلامة النص القرآني من التحريف «1» وهو الأساس الذي انطلقت منه حركة الحضارة الإسلامية في التاريخ، مطمئنة إلى دستورها المنزل المحفوظ، وهو أيضا القاعدة
التي اتخذت مقياسا لكل إصلاح لرسم المصحف، أو كتابته فيما بعد، ولذلك قال عليّ رضي الله عنه- فيما حدّث به سفيان عن السدي عن عبد خير- قال: سمعت عليّا يقول: «أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر» ، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين.
والروايات الكثيرة تجمع على أن هذه الخطوة كانت من أبي بكر، وفي عهده بمشورة من عمر، وأن ذلك كان للمرّة الأولى في تاريخ الأمة، تأثرا بما حدث من نكبة عامة يوم اليمامة.
فأما ما روي من أن عليا فعل ذلك فمردود، وذلك ما رواه أشعث عن محمد بن سيرين: لما توفي النبي صلّى الله عليه وسلم أقسم عليّ أن لا يرتدي برداء إلّا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟.
قال: لا والله، إلّا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلّا لجمعة، فبايعه ثم رجع.
قال أبو بكر السجستاني: لم يذكر «المصحف» أحد إلا أشعث، وهو
(1) نفس المصدر السابق.