في اتخاذ قرار بموافقة عمر على رأيه، وكانت حجته أن ذلك أمرا لم يفعله رسول الله، فكيف يفعله هو، أو يوافق على فعله، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت تجربة المسلمين لا زالت وليدة في مواجهة ما كان يستجد أمامهم من مشكلات، تتطلب حلولا وقرارات، لا يجدون سندها في كتاب ولا سنّة، وكان أول المواقف الخطيرة التي واجهت أبا بكر موقفه من الردة، حين بلغه أن قوما منعوا الزكاة، وآخرين تبعوا المتنبئين ورفضوا الدين كله، ولقد تردّد عمر في قرار الحرب، ولكن أبا بكر عزم على حربهم تمسكا بقوله تعالى: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ «1» ، وقوله صلّى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» «2» .
فأبو بكر في هذا الموقف الخطير كان ينفّذ نصّا صريحا بقتال مانعي الزكاة والمرتدين، وهو نص يؤنسه ويدفعه، ويشدّ أزره- أما هذا الموقف الجديد الذي عرضه عمر بضرورة جمع القرآن فقد كان تجربة من نوع جديد، لا نص يحلها، ولا سابقة تعين على معالجتها: هل لأبي بكر خليفة المسلمين أن يفعل أمرا لم يفعله رسول الله، وهو أن يجمع القرآن بين دفتين؟.
إن ذلك في الحقيقة كان أول موقف من نوعه وقد كان من المحتمل جدا لو أن عمر لم يتمكن من إقناع أبي بكر أن يلجأ الرجلان إلى جمهور الأمة يستفتيان الصحابة ويحتكمان إليهم، فليس خطر القرار الواجب اتخاذه بمقتصر على رجلين، إنما هو قضية دستور الأمة كلها، وكتابها المنزل، ولا ريب أن القرار الذي كان سيسفر عنه هذا الاحتكام، لو تمّ، كان سيحمل طابع إجماع المسلمين على أمر، وإجماعهم في تلك الفترة العصيبة حكم
(1) سورة التوبة: الآية (5) .
(2) صحيح البخاري 1/ 9.