الأحداث المروعة التي رافقته في حياته من حسد أخوته، وتآمرهم عليه بإلقائه في الجب، وابتياع السيارة له، واستخدامه في بيت العزيز، ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه، وإلقائه في السجن، وتعبيره في السجن للرؤيا، واستخراجه منه وتمكنه عند الملك، وإقامته على خزائنه، وملاحظته لأخوته وأخذه شقيقه من بينهم، وتصور حالة أبيه، ومعرفة أخوته له بعد نكرانهم، ومجيء أخوته وأبويه له من البدو إلى الحاضرة، ورفعه لأبويه على العرش وسجودهم ... إلخ. ألا ترى في كل هذا المناخ الموحي صورة رمزية مشرقة للمعاناة من جهة، وللطيبة من جهة أخرى، وللصفح الجميل من جهة ثالثة، وأن سلسلة هذه الأحداث قد انتهت به من غلام مضاع إلى ملك مطاع، وأن النهاية هي الموت، فطلب ذلك أو الاستمرار في البقاء على الإسلام حتى الموت والالتحاق بالسلف الصالح.
وأية صورة رمزية مشرقة كهذه الصورة التي عبر عنها جزء من آية كريمة فجمع شتات القصة ومتفرقاتها، بنهاية رمزية موحية، تكاد تعبر عن جميع خفايا النفس، وخبايا الضمير، وهل الرمز إلا ذلك؟ وهل الرمزية إلا التعبير الموحي عن خلجات النفوس، ومكنونات العواطف.
إنني أرى في نهاية قصة يوسف المتمثلة في الآية القرآنية السابقة، هذه الرمزية الفائقة التي عرضها القرآن بأسلوبه المشرق قبل أن يبتدع أهل الرمزية مصطلحها نظريا وتطبيقيا بعدة قرون.
وانظر إلى قوله تعالى:
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ... (22) «1» وذلك فيما اقتص الله تعالى من محاججة موسى عليه السّلام مع فرعون، ألا ترى في هذه الإثارة الانكارية تصورا للحال الذي كان عليه بنو إسرائيل في المناخ الفرعوني، وما يدور في ذهن موسى عليه السّلام من استعراض الحوادث التي مرت بقومه، من استحياء النساء، وقتل الرجال، وذبح الأبناء، وتسخير الناس، دون مسوغ من عرف أو شرع أو قانون، ألا ترى في هذه العبارة
(1) الشعراء: 22.