فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 221

لا علاقة لها بالمعاني العابرة التي يوحي بها اللفظ، ولا بالألفاظ الدالة على تلك المعاني، وأن شيئا ثالثا في الاعتبار يرمي إليه الشاعر، قد يفهمه غيره من خلال معرفة نفسية الشاعر ودراسة جوانبه في آماله وآلامه ... إلا أن الألفاظ وسيط يلوّح لهذه الحقائق.

والرمز بعد هذا وسيلة لجأ إليها المعذبون في الأرض، ممن كمت أفواههم، أو خنقت عواطفهم، فما استطاعوا التعبير الحي المباشر، فعمدوا إلى هذا التلويح نتيجة الخوف والحذر والتصريح، تنفيسا عن اتجاهات داخلية تنبعث من الضمير، وتنطلق من الحنايا، متخذة قوالب وأسماء واصطلاحات ورموزا قد لا يتنبه لها خلي النفس «1» .

ولكن استعمال الرمز في القرآن يختلف بظاهرته عن هذا المفهوم البشري، فالقرآن يستطيع أن يعبر عن كل حقيقة صراحة دون حذر أو تردد، ولكنه يتخذه وسيلة مهذبة من وسائل التعبير الفني، دون تجريح أو تقريع أو لوم أو تعنيف، بما يؤثر شعورا غامضا بالنفس أو أسى داخليا في المشاعر والعواطف، وإنما يمس النفس مسا رفيقا، ويداعب العواطف مداعبة هادفة.

لقد وردت مادة الرمز في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى:

قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ... «2» فيما اقتص الله تعالى من خبر زكريا، وقد فسروه بأنه الإيماء تارة وتحريك الشفتين تارة أخرى، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد «3» .

وقد يزداد تعجبك من بلاغة القرآن ودقة إشارته إذا علمت أنه لم يستعمل هذه المادة إلا في هذا الموضع، وهو بذلك يشير إلى مصطلح الرمزية الحديث، فيعبر عنه «رمزا» إلى حبس اللسان على الشكر فقط بما أشار إليه الزمخشري: «كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر، قيل: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من

(1) ظ: المؤلف، الصورة الأدبية في الشعر الأموي: 55 - 58.

(2) آل عمران: 41.

(3) ظ: الطبرسي، مجمع البيان: 1/ 439 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت