فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 221

فهذه الليالي المتشابهة في الطول، المتشابهة في أنها تبدي له البدر الذي لا يريده، وتخفي عليه البدر الآخر الذي يهواه كل الهوى، ويطمح إليه كل الطموح، ولا يجد إليه مع ذلك سبيلا، هذه الليالي المتشابهة التي أمضته وثقلت عليه لتشابهها، لم لا تكون رمزا لهذه الحياة المتشابهة التي تمض وتثقل بتشابهها؟ ..

لم لا يكون هذا البدر شيئا آخر غير هذه الفتاة الأعرابية التي تحميها الأسنة والرماح؟ لم لا يكون البدر رمزا لهذه الآمال النائية، وهذه الهموم البعيدة التي تاقت إليها نفس الشاعر منذ أن أحس الحياة، وقدر على النشاط، والتي أنفق ما أنفق من حياته دون أن يبلغها أو يدنو منها» «1» .

وقد يبدو هذا التفسير الكاشف عن دقائق الأمور غريبا. ولكن النص- دون أدنى شك- يتحمل هذا التفسير، ونفسية المتنبي تتم عن هذا الرمز، إشارة كما تقدم، وتصريحا كما في قوله مخاطبا كافورا الإخشيدي: «2»

وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقين واليا

فقد تهب الجيش الذي جاء غازيا ... لسائلك الفرد الذي جاء عافيا

وهو يضرب على هذا الوتر ويلوح إليه مرارا كما في قوله في خطاب كافور الإخشيدي أيضا: «3»

أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وتشرب

وهبت على مقدار كف زماننا ... ونفسي على مقدار كفك تطلب

إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني، وشغلك يسلب

فإذا أضفنا إلى هذين شخصية المفسر نفسه، كالدكتور طه حسين حصلت لنا القناعة التامة وتوصلنا إلى مدلول الصورة الرمزية التي حاولها أبو الطيب المتنبي:

ومن خلال فهمنا للرمز بالإضافة إلى ما تقدم يلحظ أن اللغة الرمزية

(1) طه حسين، مع المتنبي: 444 - 446.

(2) المتنبي، الديوان: 4/ 427.

(3) نفس المصدر: 1/ 306 - 307.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت