ولا يفوتنى في هذه المناسبة أن أذكر خاطرة لأحد الإخوة أكرمه الله عندما اعتقل في جوف الليل وأخذه جند الطاغية من بين أهله وألقوا به في زنزانة مظلمة خالية من كل شىء وأغلقوا الباب خلفهم وإذا به لايرى شيئًا من شدة الظلام ، فكانت تلك الخاطرة: فقد تصور أنه خرج من الدنيا وصار في القبر وأنه يواجه الحساب و الجزاء وأن عمله لايضمن له النجاة من العذاب ففزع وخاف وتمنى أن يعيده الله تعالى الى الدنيا ليتدارك أمره ويصلح حاله وكأن الله حقق أمنيته وها هو في الدنيا وقد تجددت له فرصة العمل وإصلاح أمره فكان لهذه الخاطرة الأثر الفعال في نفسه فقد جعلته يرضى بحاله التى هو فيها ولو كان في زنزانة مظلمة بعد أن كان بين أهله من لحظات فلا جزع ولا غم ولا كرب فهذا أهون بكثير من التعرض لعذاب الله ، كما قوَّت هذه الخاطرة في نفسه دوافع الخير و العزم على المسارعة الى كل عمل صالح ينال به رضوان الله وينجيه من عذاب الله .
هذه جولة تفكر في بعض مراحل الغيب الذى ينتظرنا لنقرأها مرات ولنتذكرها دائمًا لنتزود بالزاد الذى يحفظنا ويعيننا على الطريق والله المستعان وبالله التوفيق .
التفكر في اليوم الآخر
لاأكون مغاليًا إذا قلت إن اليوم الآخر لا ينال من تفكير واهتمام كثير من المسلمين مثل ما يناله يوم من أيام الدنيا ، بل ربما مرَّت فترات طويلة على البعض دون أن يخطر على بالهم ذلك اليوم العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ألا ترى الناس يستعدون ويتشمرون لحر الصيف وبرد الشتاء ويتهاونون ولا يستعدون لاتقاء حر جهنم وزمهريرها .
ورغم تكرار عبارة الإيمان بالله و باليوم الآخر في القرآن نرى الكثير لايذكرون ذلك اليوم ويرونه بعيد والأولى بالاهتمام الشىء القريب وهو الدنيا .