فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 34

-ومن الأمثلة التي تؤكد اهتمام الأئمة المجتهدين بضرورة معرفة حال الناس والاحتكاك بهم لإدراك ما هم فيه ، وصية الأمام أبي حنيفة لتلميذه يوسف بن خالد السمني ، حيث قال له - وكان يوسف بن خالد ذاهبًا إلى البصرة -: ( إذا دخلت البصرة استقبلك الناس وزاروك، وعرفوا حقك ، فأنزل كل رجل منزلته ، وأكرم أهل الشرف ، وعظم أهل العلم ، ووقر الشيوخ ، ولاطف الأحداث وتقرب من العامة ، ودار الفجار ، واصحب الأخيار ، ولا تتهاون بسلطان ولا تحقرن أحدًا) [1] ، ولا شك في أن الإمام أبا حنيفة يريد أن يكون تلميذه يوسف من الملاصقين للناس ، والعارفين بهمومهم وقضاياهم ، والمتابعين لما يدور فيما بينهم، وكل ذلك عون للفهم الكامل لمقاصد الشريعة الإسلامية ، وما رمت إليه من أحكام .

... وهكذا كان الأمام أبو حنيفة نفسه ، ملمًا بواقع الناس وحالهم ، فقد قيل عنه: ( كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه ، حتى إذا قال استحسن لم يلحقه أحد منهم ، لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل فيذعنون جميعًا ويسلمون له ) [2] ؛ وعلق الإمام أبو زهرة على ذلك بقوله: ( وما ذاك إلا لإدراكه لدقيق المسائل ، وصلتها بالناس ومعاملاتهم وأغراضهم ، فإن استحسن فإنما يأخذ مادته من دراسته لأحوالهم مع دراسات أصول الشرع الشريف ومصادره) [3] .

(1) ) تاريخ المذاهب الإسلامية محمد أبو زهرة ص 358 .

(2) ) أبو حنيفة حياته وعمره وفقهه وآراؤه الفقهية ، محمد أبو زهرة ، ص 75 .

(3) ) المصدر السابق ص 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت