لقد سار نهج علماء الإسلام على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية في مراعاة الواقع والحال ، فكانوا بداية مطلعين على أحوال مجتمعاتهم وأمتهم ، متابعين للأحداث الجارية والقضايا الحادثة ، مدركين لعواقب الأمور ونتائج المشكلات التي تحدث ، والأمثلة على ذلك لا تحصى ، وعلى سبيل المثال المُوَضِّح فقط نذكر الأمثلة الآتية:
-يقول الإمام ابن القيم حاكيًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: ( سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه ذلك وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم) [1] . هذه القصة تؤكد الفرق الواضح بين الفقيه المدرك والعالم بالواقع والحال ، وبين السطحي الذي يأخذ الأمر دون تفحص ولا عمق نظر ، فلقد أراد أصحاب ابن تيمية رحمه الله أن يغيروا هذا المنكر دون نظر لما يترتب عليه من نتائج وعواقب ، ولكن الإمام ابن تيمية نظر إلى الأمر من جانب آخر ، فهم فيه الواقع والحال ، ووازن فيه بين المصالح والمفاسد ، فاتخذ رأيه بناء على ذلك .
(1) ) إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/5) .