الصفحة 16 من 91

وقد لاحظت أن الآيات التي احتج بها السيوطي هي الآيات التي احتج سابقوه بها على الأمور نفسها. وذلك يعني عندي أنه لم ينقل آراء سابقيه فحسب، بل تطبيقاتهم أيضًا. ولعل الآيات التي أغفل السيوطي موضع الاحتجاج فيها وردت لدى سابقيه غفلًا من توضيح موضع الشاهد، والآيات التي وضح موضع الشاهد فيها وردت لدى سابقيه مقترنة بالتوضيح نفسه. ففي كتاب الاقتراح دليل على أن ابن جني هو الذي أستشهد بالآية الكريمة )استحوذ عليهم الشيطان ( على المسموع الذي يُحتج به ولا يقاس عليه(39) . وقد توفي ابن جني عام 932ه‍كما هو معروف. كما أن ابن مالك (المتوفى عام 672ه‍) لم يكن أول من احتج بالآية (وتساءلون به والأرحامِ) (40) على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، بل سبقه إلى ذلك الفخر الرازي (41) ولم يكن ابن مالك نفسه أول من احتج بالآية ( قتل أولادهم شركائهم(42) على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، بل سبقه إلى ذلك ابن الأنباري (المتوفى عام 577ه‍) في كتابه المعروف (الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) (43) . وهذا يعني أن السيوطي لم يكن محقًا حين نص على أن المتأخرين، ومنهم ابن المالك، ردوا على مَنْ عاب قراءة عاصم وحمزة وابن مالك. كما أنه لم يكتف بنقل آراء سابقيه، بل نقل الآيات التي احتجوا بها، وتبعهم في إغفالهم توضيح موضع الشاهد حينًا وذكره أحيانًا. وهذا ما يجعل موقفه التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن الكريم سبيلًا إلى الشك في موقفه النظري نفسه، والمراد هنا أنه لم يذكر في أثناء إيراده رأيه النظري أنه نقل من سابقيه حرفًا، ولكن موقفه التطبيقي دل على أنه نقل الآيات التي احتج بها سابقوه، فهل يعني ذلك أنه نقل الآراء وشواهدها معًا؟ أكاد أعتقد ذلك. ومهما يكن الأمر فإن عدد الآيات التي ذكرها السيوطي في الاقتراح قليل جدًا، لا يوازي حماسته للاحتجاج بالقرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت