لا يمكن وصف رأي السيوطي في الاحتجاج بالحديث الشريف بشيء غير المغالاة والجمود. فقد ضيّق واسعًا، وعاف المرونة وهو المتأخر الذي توافرت له الأحاديث الصحاح في مظانها الأساسية. بل انه اصطنع مصطلحات علم الحديث في كتاب المزهر، وسعى إلى تطبيقها على كلام العرب، فكثرت لديه مصطلحات الجرح والتعديل والرواية والدراية، من غير أن يلتفت إلى أنها اصطُنعت أساسًا للتأكد من أن الرسول الكريم نطق الأحاديث على هذا النحو دون غيره.
ثم إن السيوطي خص الاحتجاج بكلام العرب شعره ونثره بقدر من الاهتمام يفوق ما خصصه للحديث الشريف، فنقل آراء سابقيه في السماع والقياس، والقواعد التي اتفقوا عليها. ويمكن وصف موقفه في الاحتجاج بكلام العرب بالوضوح والتحديد وباتباع ما استقر عليه النحاة واللغويون معًا. إذ غلّب الاحتجاج بالشعر على الاحتجاج بالنثر، ولم تكن لديه مساواة بينهما. كما عُني بمحاكاة الفقهاء في حديثه عن اللغة والنحو، فصنفهم في طبقات، ووضع للنحو أصولًا تشبه أصول الفقه، وجاراهم في بناء القواعد على السماع والقياس والإجماع (27) . ففي المزهر أنواع للمرسل والمنقطع (28) ، ومعرفة طرق الأخذ والتحمل (29) ، والضعيف والمنكر والمتروك (30) . بل إنه عدّ كتاب"الاقتراح"بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه" (31) ، ونص على أنه سلك في تصنيفه كتاب الأشباه والنظائر في النحو"سبيل الفقه" (32) . وهذا ما جعل موقفه من الاحتجاج بكلام العرب محاكاة لمواقف اللغويين والنحاة العرب، ولكنها محاكاة العالِم بأصولها وفروعها وإن لم تستطع التحرر من سلبيات هذه المحاكاة وخصوصًا تكرار الأمثلة والشواهد القديمة من غير تمحيص، وإهمال الاحتجاج بالحديث الشريف، ومنح الضرورات الشعرية مكانة لا تستحقها."