الصفحة 12 من 91

إن إشادة السيوطي بابن مالك ثم إيراده ما يوهّن رأيه في موضعين مختلفين يمكن وصفه بالتناقض. وإذا لم يكن هذا الوصف دقيقًا فإن هناك -على أقل تقدير -تباينًا في الموقف النظري للسيوطي، مفاده الوعي اللغوي السليم في أثناء تعبيره عن الاحتجاج بالقرآن، وضيق أفقه اللغوي في أثناء تعبيره عن الاحتجاج بالحديث الشريف. ذلك لأن حجتي المانعين مردودتان، وهما رواية الأحاديث بالمعنى وتسرب اللحن إلى بعضها لأن كثيرًا من رواتها كانوا غير عرب. أما كون رواية الأحاديث بالمعنى جائزة فمعناه"أن ذلك احتمال عقلي فحسب لا يقين بالوقوع. وعلى فرض وقوعه فالمغيّر لفظًا بلفظ في معناه عربي مطبوع يحتج بكلامه في اللغة" (23) . والأصل أن يروى الحديث باللفظ، وهذا ما جرى عليه علماء الحديث،"حتى إذا شك راو عربي بين (على وجوههم) وعلى (مناخرهم) أثبتوا شكه ودوّنوه مبالغة في التحري والدقة" (24) . وأما وقوع اللحن في بعض الأحاديث فهو"قليل جدًا لا يُبنى عليه حكم. وقد تنبه إليه الناس وتحاموه ولم يحتج به أحد، ولا يصح أن يُمنع من أجله الاحتجاج بهذا الفيض الزاخر من الحديث الصحيح" (25) ، إضافة إلى أن علماء الحديث"تشددوا في أخذ الناس بضبط ألفاظ الحديث، حتى إذا لحن فيه شاد أو عامي أقاموا عليه النكير" (26) . ثم إن السيوطي وافق أبا حيان على أنه لم ير أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك طريق ابن مالك في الاستدلال على القواعد الكلية بما ورد في الحديث الشريف. وهذا الأمر مردود أيضًا بكثرة المتقدمين والمتأخرين الذين احتجوا بالحديث الشريف، كالأزهري في التهذيب، والجوهري في الصحاح، وابن سيده في المخصص، وابن فارس في المجمل ومقاييس اللغة، والزمخشري في الفائق، وغير هؤلاء كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت