ويظهر من ذلك أيضا أن الأحكام الحاجية هي كالتتمة والتكملة والصيانة للمصالح الضرورية وأحكامها، وأن التحسينات مكملة للحاجيات والضروريات التي هي أصل المصالح كلها، وهي مقصودة الشارع الأصلي، فشرع لها الأحكام الأصلية، ثم صانها ورعاها وحفظها ببقية الأحكام، وينتج عن ذلك أنه إذا تعرضت المصالح الضرورية أو إحداها للخلل لأدى ذلك قطعًا إلى اختلال المصالح الحاجية والتحسينية، وإذا اختل حكم حاجي أو تحسيني فإنه يؤثر بطريق غير مباشر على المصالح الضرورية بوجه من الوجوه، وينذرها بالخطر، لذلك تجب المحافظة على المقاصد الحاجية والمقاصد التحسينية حتى لا تتعرض المصالح الضرورية للخلل، ولأن (في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حمى للآكد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه) [1]
وإذا تعارض حكمان من الأحكام الشرعية، فيقدم الأهم فالأهم، وقد وضع العلماء قواعد للترجيح في ذلك، منها:
(1) الموافقات 2/13، وانظر: المرجع نفسه 2/9، 10. ويقول العز بن عبد السلام: (طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلب وطلب) قواعد الأحكام 1/22.