لم تشتر الدين بالدنيا ولم تَسم * * * فيا خسارة نفس في تجارتها
ولكن طلبه للعفو كان موجهًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا من أكبر انحرافات البوصيري ، وقد كرر هذا في عدة أبيات ، منها:
إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض * * * من النبي ، ولا حبلي بمنصرم
فإن لي ذمةً منه بتسميتي * * * محمدًا ، وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي * * * فضلًا فقل يا زلة القدم
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العَمِمِ
وعندما ذكر العفو والرحمة من الله رجا أن تكون الرحمة مقسومة حسب العصيان ، لا الإحسان ، فقال:
لعل رحمة ربي حين يقسمها * * * تأتي على حسب العصيان في القسم
وفي آخر هذا الجزء يختم القصيدة بالصلاة والسلام الدائمين على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الجزء يكثر فيه دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- والاستغاثة به وإضافة صفات ربانية إليه ، وإن كان الجزءان السابقان لا يخلوان من مثل ذلك ، كقوله:
أقسمت بالقمر المنشق أن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسم
وقوله:
ما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به * * * إلا ونلت جوارًا منه لم يُضم
هذه هي ميمية البوصيري التي كان لها أعظم الأثر في المديح النبوي ، وتحويلها من مسارها السليم إلى مسار مليء بالانحرافات الشرعية ، وقد ساعد المتصوفة وأصحاب الطرق على نشرها بغنائها وانشادها وتلحينها في كل مناسبة حتى الحروب فضلًا عن الأفراح والأحزان والموالد المبتدعة واحتفالات الحجيج .
ولم يقتصر أثرها على العامة ، بل تعداه إلى الخاصة ؛ إذ تزاحم الشعراء العرب وغير العرب على تقليدها ، وتفننوا في ذلك حتى أنشؤوا فيها فنونًا أدبية منها:
أ- البديعيات التي تسير على نهجها وزنًا ورويًا ومضمونًا وأجزاءً ، ويكون كل بيت من أبياتها خاصًا بلون من ألوان علم البديع في البلاغة كبديعية صفي الدين الحلي (750 هـ) ومطلعها: