تقدم الرؤية الإسلامية مصدرًا لا تدرجه الأطروحات الغربية في إطار مصادر المعرفة، حتى وإن فعلت في بعض تخومها فإنها لا تعول عليه كثيرًا، فالوحي الإلهي في الرؤية الإسلامية يمثل حسب تلك الرؤية مصدر هداية ومنبعًا للحقيقة المطلقة التي مصدرها الحق المطلق، وذلك في مقابل المعرفة الإنسانية المستولدة والمستمدة عقلًا أو حسًا أو حدسًا: ? ? ? ? ? ? ? ? [1] فالمعرفة التي مصدرها الوحي معرفة مطلقة، تتضمن إشارات عدة تشير إلي تفرد المعرفة التي مصدرها الوحي من حيث اتصافها بالاتساق وعدم التعاند والاستقامة ونفي العوج عنها؛ أو من حيث منبعها كونها معرفة تتسم بالإطلاق ولا محدوديتها، وكل ذلك تشير إليه بجلاء مفاتح وخواتيم سورة الكهف السورة بجلاء ووضوح على النحو الذي سنجيء على بيانه والإفاضة فيه.
المبحث الثالث
طرائق المعرفة: تفاضل أم تكامل
بدايةً أشير هنا إلى أن استخدام لفظ أفضلية في السياق الفلسفي يتجه بصفة أساسية نحو تأكيد معايير الدقة والفاعلية، إذ أن ما يريد الباحث تناوله في هذا المبحث موصول بطرائق المعرفة ومصادرها التي سبق الحديث عنها؛ هل ثمة تفاضل فيما بينها بحيث تمنح الأفضلية لهذا المنحى ووصفه بأنه يحوز مرتبة السبق عليهما، فيكون هو المقدم بينها، إذ لا شك في أن كل باحث عن المعرفة ينشد ما يقربه من الحقيقة بصورة أكثر فاعلية .
بيد أن ما تروم هذه الورقة الخلوص إليه؛ هو القول بأهمية تصويب النظر إلي قضية التفاضل بين مصادر المعرفة على مستويات ثلاثة:
? يتضمن المستوى الأول الوحي الإلهي في مقابل المصادر ذات المعطيات الإنسانية من حدس وحس وعقل إنساني.
? بينما يتجه المستوى الثاني للنظر في سائر طرائق المعرفة الإنسانية فيما بينها.
? لينتهي بنا هذين المستويين للتأمل في منتوج تلك المعرفة إلي مفهوم الرشد القرآني الذي يصل ما بين المعرفة والعمل الصالح ( منظومة القيم ) .
(1) سورة الإسراء: الآية 85 .