إذا ما قفزنا قفزة زمنية أخرى، وجدنا أن الفكر المقصدي بدأ يتسع ويأخذ معاني أكثر شمولية، وأصبح يُنظر إليه من خلال أبعاد جديدة. حيث ظهرت المذاهب الفقهية المتعددة، وبزغ العديد من الفقهاء والمجتهدين الذين صاروا أئمة لهذه المذاهب. وصار هؤلاء الأعلام يلتفتون إلى المقاصد، ويعملون بها إذا لم تسعفهم النصوص والنقول، أو إذا كانت تلك النصوص والنقول قد تزاحمت عليها معان كثيرة تحتاج إلى تحديد وترجيح أقربها لمراد الشارع وألصقها به.
فإذا تتبعنا آثار هؤلاء الأئمة أدركنا مدى اهتمامهم بضرورة الأخذ بالمقاصد والتعويل عليها في التصدي لمشكلات عصرهم وحوادثه المختلفة. فصار النظر المقصدي الأصيل مقومًا من مقوّمات استدلالهم، وذلك"لما رأوه من أن الشريعة معقولة المعنى وأن لها أصولًا عامة نطق بها القرآن الكريم، وأيدتها السنة الشريفة". [1]
فقد ذُكر أن الرأي عند مالك، توفيق بين النصوص والمصلحة، وأن تكوينه قد تلقاه من أعلام متفاوتين من حيث الاعتداد بالرأي والأثر. [2] وذُكر أن الشافعي جمع بين فقه الحجاز والعراق، فأخذ من الموطأ وأخذ من محمد بن الحسن الروايات العراقية التي لم تشتهر عند الحجازيين. [3]
وغني عن البيان أن المنهج الأصولي كان متفاوتًا بين هؤلاء الأئمة، كما هو الحال في الاستحسان الذي رفضه الشافعي وأخذ به الحنفية والمالكية وغيرهم، وكذلك القياس الذي رفضه الظاهرية والشيعة. ومن حيث المقدار والكم من جهة ثانية كما هو الحال في شواهد وأمثلة المصلحة المرسلة والذرائع وغيرها. [4]
وسنتحدث فيما يلي بإيجاز عن أهم أصول هؤلاء الأئمة ـ إضافة إلى القرآن والسنة ـ وعلاقة هذه الأصول بالفكر المقصدي:
1.الإجماع:
(1) المرجع السابق، ص111.
(2) أبو زهرة، محمد: تاريخ المذاهب الإسلامية، ص395.
(3) المرجع السابق، ص444.
(4) المرجع السابق، ص376 وما بعدها.