بعد أن فرغ الشاعر من رسم الملامح الخارجية لهذه الروضة الزاهية، في نبتها ومائها، وإبراز عناصر الحياة الخصبة فيها، استحضر الذباب؛ ليملأها حياة ونشاطًا وحيوية، وينشر في أرجائها البهجة والفرح، ويتلذذ بما فيها من غذاء وماء، ويستمتع بما يلفها من سكينة وهدوء، فيحيا في ربوعها حياة سعيدة هانئة.
إن هذه الروضة البديعة الغنّاء التي كوّنها المطر بمائه الدافق العذب، ذات الرحم الدافئ الخصب أصبحت مربعًا للذباب ومرتعًا - كما أراد عنترة - لا يشاركه فيها أحد، ومستقّرًا آمنًا له، أخلاه الشاعر من الكائنات الأخر التي تقلق عيشه، وتعكّر عليه صفوه؛ وما دام الأمر كذلك، فلينعم هذا الذباب - العنتر - العنترة بهذه الجنة الطبيعية التي امتلكها، وخلا بها وحده، والتي لن يبرحها أبدًا.
ذباب عنترة المدلّل المكرّم الذي امتلك هذه الروضة الجميلة المعطار، وتفرّد بها، هو الذي ينشر في أجوائها الفرح والمرح، وهو الكائن الحيّ الوحيد الذي يبث في نواحيها النشاط والحيوية، ويكمّل صورة الحياة الحقيقية فيها؛ وكأن عنترة - هنا - يريد أن يعلن أن الحياة الطبيعية لا تكتمل في هذه الروضة من غير كائن حي يشعر بجمالها ويتذوقه، وينعم بما فيها من المتع واللذائذ ؛ وكان هذا الكائن الذباب - العنترة.