أما القراءات فقد عرّفها بأنها"العلم الذي يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، وقسم القراءات إلى متواترة وشاذة (55) ."
وقد عني بالقراءة المتواترة، والشاذة، لأن هذه القراءات جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها، ويظهر ذلك فيما يلي:
1-كان يرجع بالقراءة إلى اللغة يلتمس لها شاهدًا فيرويه، أو نظيرًا فيقيسها عليه، فنراه يستشهد على جواز حذف الحركة الظاهرة من الأسماء والأفعال اعتمادًا على لغة تميم يقول في باب الإعراب"وإذا كان حرف الإعراب صحيحًا فلا يجوز إلا ظهور الإعراب فيه، وحذف الحركة منه خصّه أصحابنا بالشعر، وذهب المبرد إلى أنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر وذهب بعضهم إلى جواز ذلك وإن كان قليلًا، ومنه قراءة من قرأ"وبعُولتهن" (56) بسكون التاء، وما حكاه أبو زيد"ورسلنا" (57) عمرو أن لغة تميم تسكين المرفوع من نحو: يعلمهم، وقراءة"بارئكم" (58) "ومكر السيّشئ" (59) في الوصل بسكون الميم واللام والهمزة."
وقد دافع أبو حيان عن هذه القراءة، ورد على من يلحن قراءها. جاء في البحر المحيط: قرأ مسلمة بن محارب (بعولتهن) بسكون التاء فرارًا من ثقل توالي الحركات، وهو مثل ما حكى أبو زيد (ورسلنا) بسكون اللام.. وقد منع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن.. قال أبو حيان: وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله (، ولغة العرب توافقه، فإنكار المبرد لذلك منكر. ومما يدل على صحة قراءة أبي عمرو ما حكاه أبو زيد من قوله تعالى (ورسلنا لديهم يكتبون (( 60) .
2-إذا كانت القراءات متواترة، فإنه لا يرجح بينها لصحتها، وثبوت روايتها يقول في تفسير لقوله تعالى (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة (( 61) . قرأ الجمهور: واعدنا، وقرأ أبو عمرو: وعدنا بغير ألف. ولا حجة لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، لأن كلاًّ منهما متواتر، فهما في الصحة على حد السواء (62) .