الصفحة 16 من 40

ومما ذكره فمن ذلك قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود [1]

(1) وهو الشامي الصوري المولد،ويُعرفُ بالبَرَلُّسيِّ، ثقة جليل له ترجمة حافلة في السير (13/393) من شيوخ الطحاوي، وبقية رجال السند ثقات، ورواه مسدد في مسنده من هذا الطريق ( المطالب العالية3/31) فالسند صحيح إلى يحيى بن يعمر وإلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وفي هذا السند متابعة سعيد بن أبي عروبة لحماد بن سلمة عن قتادة وتقدم طريق حماد عن ابن عبد البر في النقل المتقدم عن الاستذكار ، ولكن مع اختلاف على قتادة، ففي طريق حماد أن يحيى بن يعمر يرويه عن عليٍّ، وأما في طريق ابن أبي عروبة فهو من فتوى ابن يعمر دون ذكر عليٍّ رضي الله عنه، ولذا عدَّ ابن عبد البر في التمهيد - كما تقدم - هذا الاختلاف مما يقدح في حديث قتادة، والصواب أنه غير قادح بل هو مؤيد لحديث أم سلمة ل، وما كان من اختلاف ظاهر بين طريق حماد وطريق سعيد بن أبي عروبة فإنه يقدم لفظ سعيد بن أبي عروبة لأنه أوثق في قتادة من حماد بن سلمة خاصة أنه من رواية يزيد بن زريع عنه وهو من أثبت الناس - إن لم يكن أثبتهم - في سعيد بن أبي عروبة ،وقال ابن حزم في المحلى (6/26) : (( وهذه فتيا صحت عن الصحابة رضي الله عنهم ، ولا يعرف فيها مخالفٌ منهم لهم ) )اهـ، ويبقى البحث هنا الآن هل النهي معلق بإرادة التضحية مع دخول العشر، أو بشراء الأضحية وتعيينها مع دخول العشر ؟ فالنصوص محتملة وأكثر كلام أهل العلم ممن عمل بحديث أم سلمة ل على الأول، وهو قول سعيد بن المسيب نفسه وكذا قول ابن سيرين كما عند مسدد، والأوزاعي على الثاني وهو وجه للشافعية حكاه النووي في المجموع - وسيأتي - وأبو بكر الشاشي في حلية العلماء (1/458) ، ونص النووي على شذوذ هذا القول - وهو يريد شذوذه في المذهب - كما في المجموع (8/285) فقال: (( وحكى الرافعي وجهًا ضعيفًا شاذًا:أن الحلق والقلم لا يكرهان إلا إذا دخل العشر واشترى أضحية أو عيَّن شاة أو غيرها من مواشيه للتضحية، وحكى قولًا:أنه لا يكره القلم، وهذه الأوجه كلها شاذة والصحيح: كراهة الحلق والقلم من حين تدخل العشر ) )اهـ ، فالأظهر هو الأول وهو تعليق النهي على إرادة التضحية مع دخول العشر، ولو لم يشترها ويعينها، ويبقى الجواب 1 - عن الزيادتين الواردتين عند مسلم (7/152-154،ح1977) (( وعنده أضحيته ) (( من كان له ذبح يذبحه ) )، وجوابها: أن الأظهر الشذوذ فيهما من حديث أم سلمة ل، فالأولى تفرد بها ابن راهويه بين كل من روى الحديث عن ابن عيينة فخالف ابنَ أبي عمر عند مسلم، وأحمدَ في مسنده (6/289) ،والشافعيَ في مسنده (1/175) ، والحميديَ في مسنده (1/140) وعبدَالله بن محمد بن عبدالرحمن عند النسائي في الكبرى (4/336) ، وغيرَهم كثير ممن لم أتتبعهم ، وأما الزيادة الثانية فقد تفرد بها محمدُ بن عمرو الليثي عن عمرو بن مسلم فخالف مالكًا الإمام وسعيدَ بن أبي هلال، فلا تصح هذه الزيادة من حديث أم سلمة . 2- وأما الجواب عن رواية ابن أبي عروبة عن قتادة عن كثير بن أبي كثير أن يحيى بن يعمر كان يفتي بخراسان: (( في الرجل إذا اشترى أضحية وسماها ودخل العشر أن يكف عن شعره وأظفاره فلا يمس منها شيء) ، قال كثير: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب،فقال: (نعم قد أحسن) ،قلت: عمن يا أبا محمد؟ قال: (عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون أو كانوا يفعلون ذلك - ) )فهذا الأظهر فيه أنهم كانوا يشترون الأضاحي قبل دخول العشر، فلذلك يمسكون عن شعرهم وظفرهم بدخول العشر، ولعله يقال: أثر أم سلمة على الصحيح عنها من غير ذكر:تملك الأضحية، وأثر ابن المسيب عن الصحابة - رضي الله عنهم - إنما هو بذكر الأمرين معًا: 1- امتلاك الأضحية أو امتلاكها مع التعيين 2- دخول العشر من ذي الحجة، ويكون هذا من الاختلاف السائغ وقول أم المؤمنين أم سلمة ل فيه احتياط وتحرز أبلغ، ويمكن أن يقال: - وهذا الوجه صرح به الطحاوي في شرح المعاني - إن اختلافهم يبيِّن أن الأمر بالإمساك من مجموع الآثار عنهم إنما يتعلق بدخول العشر للمضحي العازم على التضحية سواء كان قد اشتراها أو لم يشترها بعدُ ، فإن دخل العشر ولا أضحية عنده فإنه يمسك عن ظفره وشعره بمجرد إرادته أن يضحي وعزمه على هذا مع القدرة الظاهرة عليه، وإن دخل العشر وعنده أضحيته كان قد أعدها قبل هلال ذي الحجة فإنه يمسك بمجرد دخول العشر وبهذا تجتمع النصوص وتأتلف - والله أعلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت