قال أبو بكر الجزائري: هذه حال أولئك المنافقين، والقرآن ينزل بذكر الكفر، وهو: ظلمات، وبذكر الوعيد، وهو: كالصواعق والرعد، وبالحجج والبينات، وهي: كالبرق في قوة الإضاءة، وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم وإزاحة الستار عنهم فيؤخذوا، فإذا نزل بآية لا تشير إليهم ولا تتعرض بهم مشوا في إيمانهم الظاهر. وإذا نزل بآية فيها التنديد بباطلهم وما هم عليه وقفوا حائرين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولو شاء الله أخذ أسماعهم وأبصارهم لفعل؛ لأنهم لذلك أهل وهو على كل شيء قدير ا.هـ [1] و قال الطبري: إنما معنى قوله: { لذهب بسمعهم وأبصارهم } ، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره, وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه: { آتِنَا غَدَاءَنَا } [2] ، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدَائنا ا.هـ [3] و الله قادر أن يأخذ سمع المنافقين و أبصارهم دون أن يكون معهم بنفسهم فكم رأينا وسمعنا من إهلاك شخص شخصا دون أن يكون معه في نفس المكان خاصة مع وسائل التدمير الحديثة فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى .
الدليل العشرون:
{ قلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } [4] أى أنَّ منه بصرى وسمعى فلا أبصر إلا به ولا أسمع إلا به وكيف يشاء هو .
مناقشة الدليل:
(1) - أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري 1/31 مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة الطبعة: الخامسة، 1424هـ/2003م
(2) - الكهف من الآية 62
(3) - تفسير الطبري 1//360 مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى ، 1420 هـ - 2000 م
(4) - الكهف الآية 26