فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 49

أما القول بأنه يعني النهار كله، فغير وجيه. والاحتجاج على ذلك بأنه جُعل في مقابلة الليل كله لا يصح، وذلك لأنه إنما جُعل في مقابلة الليل في حالِ سُجوّه؛ أي في حال استقرار الظلام وسكون الليل والناس فيه، ولا ريب أنَّ سُجوّ الليل هو جزء من الليل لا كله، فهو بمنزلة الضحى من النهار. ويمكن الاستئناس في ذلك بوقت صلاة الضحى، فإن وقتها لا يكون بعد الزوال، مما يؤكد ضعف القول بأن الضحى يمتد ليشمل النهار كله.

أما قوله: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } ، فمن المفسرين من قال بأنَّ ضحاها هو ضوؤها. وقال بعضهم: حرّها. وقال آخرون: النهار كلّه [1] .

والذي أراه راجحًا أن يكون المقسَم به هو وقت الضحى كذلك. أما القول بأن المراد به النهار كلّه فقد بينتُ ضعفه. وأما القول بأن"ضحاها"يعني: ضوؤها أوحرّها، فهما أمران متلازمان، فمتى اشتدّ حرها فقد اشتد ضوؤها وبالعكس. وهذان المعنيان موجودان في وقت الضحى، حيث ضوء الشمس وحرها، فيكون ما ذهبتُ إليه هو الأولى.

أما مناسبة القسم بالضحى في هذا السياق، فيظهر فيها رونقًا في الأسلوب وجلالة في المعنى، لأنَّ في ذلك مطابقة بين نور الضحى ونور الوحي، فنور الضحى جاء بعد ظلام الليل، ونور الوحي جاء بعد احتباسٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال أعداؤه: قَلى محمدًا ربُّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل، على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه. ثم إنَّ فالق ظلمة الليل بضوء النهار، هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة [2] .

خامسًا: القَسَم بالشفق

(1) انظر هذه الأقوال في: ابن عطية: المحرر الوجيز، ج5، ص478. ابن الجوزي: زاد المسير، ج9، ص137. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج20، ص72.

(2) انظر: ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت