وحُجّتهم: أنّه لولا وجود التعارض بَيْن الأدلة الشرعية لَمَا كانت هناك حاجة إلى الترجيح ، وأنّ الترجيح أحد مراحل دفع التعارض والتخلص منه فدلّ ذلك على أنّ التعارض أصْل لِلترجيح .
المذهب الثاني: أنّ التعارض ليس أصلًا لِلترجيح ؛ فقد يوجد بدونه .
وهو ما عليه بعض العلماء .
وحُجّتهم:
الأولى: أنّ التعارض مِن شروطه تساوي الدليليْن ، والترجيح لا بُدّ وأنْ يكون لأحدهما فضل وزيادة ، ولِذَا كان التعارض تساوي الدليليْن ، والترجيح عدم تساويهما ، وهذا هو التناقض ، والتناقض مردود ، وما أدى إليه كان كذلك .
الثانية: أنّ التعارض هو التناقض ، والتناقض تنأى عنه نصوص الشرع
وأدلته ، والترجيح تفضيل أحد الدليليْن عن الآخَر ، وهو كثير في نصوص الشرع ، ولِذَا كان التعارض والترجيح متباينيْن [1] .
وأرى: أنّ هذا المذهب - الثاني - القائل أنّ التعارض ليس أصلًا لِلترجيح مردود وغَيْر مقبول ؛ لِمَا يلي:
1-أنّه لَمْ يُعرَف له قائل .
2-أنّ حُجّتيْه واهيتان .
أمّا الأولى: فإنّ التناقض يكون إذا رفعنا المتساوييْن بنَفْس التساوي ، أمّا إذا وُجِدت زيادة في أحدهما فإنّها تكون سببًا لِتقديمه وترجيحه على
الآخَر .
وأمّا الثانية: فإنّا نسلِّم أنّ التناقض تنأى عنه نصوص الشرع وأدلته ؛ فليس بَيْنَهَا تعارض حقيقيّ ، والتعارض إنما هو في الظاهر أو في ذهن المجتهد ، ولِذَا كان لا بُدّ مِن إزالة هذا التعارض بوجوه أحدها الترجيح .
3-أنّ الكثرة مِن الأصوليين صرّحوا بقوة العلاقة بَيْن الترجيح والتعارض ..
اذكر منهم:
الآمدي - رحمه الله تعالى - في قوله:"وقولنا"مع تعارضهما"احتراز عن الصالحيْن اللذيْن لا تعارُض بَيْنَهُمَا ؛ فإنّ الترجيح إنما يُطلب عند التعارض لا مع عدمه" [2] ا.هـ .
(1) - يُرَاجَع: التعارض والترجيح بَيْن الأدلة الشرعية 1/97 ، 98 والتعارض والترجيح عند الأصوليين /285 - 287
(2) - الإحكام 4/246.