الصفحة 23 من 55

ويهمنا أن نبين مقدمة هامة مبنية على ما سبق من الآراء في المحكم والمتشابه ، فجميع الأراء في معنى المحكم والمتشابه ، تكاد تتمثل في أن المحكم هو المعلوم الواضح ، الذي يمكن تحديده وتمييزه ، كتمييز الصورة في المرآة المصقولة عند تحديد معالمها ، وضبط ملامحها ، والتمكن من وصفها ، فما لا يحتمل إلا وجها واحدًا يصبح معلوما مميزا ، كما أن المتشابه عكس المحكم ، وهو المجهول الذي لا يعلم ، إما من التشابه والتماثل كقوله تعالى: { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ِ } (1) ، أي أشبهت قلوب مشركى العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو (2) وإما من الاختلاط وعدم التمييز بين الأشياء كقول الله تعالى عن بنى إسرائيل: { إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ِ } (3) .

وعلى هذا المعنى السابق للمحكم والمتشابه ، سوف ننظر إلى الآية السابعة من آل عمران والتي هي محل بحثنا في قضية المحكم والمتشابه وأثرها على القول بالتفويض ، يقول تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ } .

(1) لبقرة:118.

(2) بن كثير: تفسير القرآن العظيم (1401هـ) ، بيروت ، دار الفكر ، 1/163 .

(3) لبقرة:70 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت