الصفحة 17 من 55

أما تبيان كيف أن المتشابه بهذا الإطلاق نعت كمال لجميع القرآن ، فإنه من الجلي أن صوغ مادة التشابه في هذه الآية يقضى بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء ، كلها يشبه بعضها بعضا من حيث الصحة والإحكام ، والبناء على الحق والصدق ومنفعته الخلق ، وتناسب ألفاظه وتناسقهما في التخير والإصابة ، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت (1) .

والتشابه بهذا المعنى الذي يعم جميع القرآن على نحو ما رأينا ، لا يتنافي بحال مع وصف الإحكام المذكور في قول الله تعالى:

{ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } (2) .

والذي يعم هو الآخر القرآن الكريم بأسره ، بل يجب الأخد بكلا الوصفين جميعا في كتاب الله عز وجل ، دون أن يأتي كلام الحق في ذلك باطل من بين يديه أو من خلفه ، وذلك بأن التناقض إنما يلزم إذا كان بين المادتين في هاتين الآيتين تقابل التضاد ، وكيف وكل منهم صفة مدح ، لا يمكن أن تدل على ما يضاد الأخرى ، وإنما على ما يؤيدهما ويشد من أزرهما، وبانطوائهما معا في صفته شاهد صدقه وآية تنزيل رب العالمين .

وأما الإحكام فمعناه أن أي القرآن كلها قد نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى ولا من جهة الهدف والغاية ، أو أنها أحكمت بالحجج والدلائل ، أو جعلت حكمة ، فنقول: حُكِم إذا صار محكما ، لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية ، وإذن فالقرآن بهذا المعنى محكم في تشابهه ، متشابه في إحكامه (3) .

(1) لزمخشري: الكشاف 4 /95 .

(2) ود:1.

(3) لبيضاوي: تفسير القرآن ، (1416هـ) تحقيق عبد القادر عرفات العشا حسونة ، بيروت نشر دار الفكر ، 3/219 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت