وكان من عادة كثير من المحدثين التباهي بالإغراب، يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين لتظهر مزيته عليهم، وكانوا يتعنتون شديدًا لتحصيل الغرائب ويحرصون على التفرد بها، وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئًا يُغْرب به على أصحابه، بأن يكون عنده، دونهم، ولم يكونوا يبالون في سبيل إظهار المزية والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحًا أو غير صحيح؛وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس عند صاحبه ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كأن يقول الأول: مالك عن نافع قال 000، فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك. وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول: (المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: أبغض الكلام إلى الله الفارسية) . ومن حدث بما سمعه في المذاكرة كان عليه أن يقول: حدثنا فلان مذاكرة أو في المذاكرة، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس.
]أصل هذا الكلام للعلامة المعلمي في التنكيل[.
أسباب هذا النوع (الخامس) من التدليس
غرض من يتعاطى هذا النوع من التدليس إخفاء حقيقة كيفية التحمل المرغوب عنها أو المفضولة أو غير المعتمدة عند جماعة، وإيهام كونه - أي التحمل - حاصلًا بكيفية أخرى صحيحة أو فاضلة.
النوع السادس
تدليس المتون
قال أبو المظفر السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة) (2/323) : (وأما من يدلس في المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه فكان ملحقا بالكذابين ولم يقبل حديثه) .
قال بعض الفضلاء المحققين، وأظنه الشيخ عبد الله السعد: (إذا كان أبو المظفر يقصد تغيير المتن تعمدًا من الراوي أو حمل هذا المتن على إسناد آخر فهذا كذب لمن تعمده، ولكن لا يسمى - اصطلاحًا - تدليسًا، وأما إذا لم يتعمد فهذا أيضًا لا يسمى تدليسًا، وإنما خطأ وسوء حفظ) . انتهى.