الصفحة 21 من 40

الثالث: أن يظهر من وضع الآية في المصحف التأخُّر مع تقدُّم السبب بفترة طويلة:

فقوله تعالى: [التوبة: 113] ، ورد في سبب نزولها ما رواه المسيّب بن حزن قال: إنَّ أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل، فقال: (أي عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيءٍ كلَّمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: (لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنه) . فنزلت الآية المذكورة، ونزلت [القصص: 56] [1] .

فقد يستبعد بعضهم ذلك بأنَّ موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وهذه السُّورة (التوبة) من أواخر ما نزل بالمدينة.

وتوجيه ذلك بالتالي:

[1] ما قاله الواحدي: هذا الاستبعاد مستبعد، فأيّ بأس أن يقال: كان - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية؛ فإنَّ التشديد مع الكفار إنَّما ظهر في هذه السورة، وعليه لا يُراد بقوله: فنزلت في الخبر بأنَّ النزول كان عقيب القول؛ بل يراد أنَّ ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. وهو توجيهٌ وجيه.

[2] إنَّ كون هذه السُّورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب ـ كما تقدَّم ـ فلا ينافي نزول شيء منها في مكة [2] ، ونقل ابن عاشور عن بعضهم في أول سورة التوبة استثناء بعض آياتها من النزول المدني، منها هذه الآية [3] .

(1) صحيح البخاري، 3/1409، مسلم، 1/54.

(2) الجوابان في روح المعاني، 11/33"بتصرُّف".

(3) التحرير التنوير، 1804.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت