إنَّ فقه التدرُّج باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله، وهو علم يحتاج إلى فقه كامل بأحكام الدين، ولا أعني بالفقه، حفظ النصوص وأقوال الأئمة، بل كلمة الفقه كلمة واسعة تعني أكثر من ذلك، فالفقه هو العلم بالأحكام ونصوصها ثم ربط هذه الأحكام بعضها ببعض في إطار واحد، تظهر فيه محاسن الشريعة ومقاصدها، وحكم الله في تشريع شرائعه وأحكامه. وتظهر فيه أولويات هذا الدين، فبعض الأحكام أوْلَى في تطبيقها من بعض، وأن بعض التشريعات يجب أنْ تقدم على تشريعات أخرى، وهذا الفهم لا يتم إلاَّ بالنظر المتدبر المتأني، والعقل المتأمل المتفكر.
وإنَّ من أهم دعائم فقه التدرُّج هو علم هذه الأولويات، حتى يتسنى للداعية أنْ يعلم من أين يبدأ، وما هو الذي يجب أنْ يطبق أولًا وإلى ماذا يتدرج منه.
ثم لا يكفي أنْ يكون الداعية عالمًا بأحكام الدين، حافظًا لها، عالمًا بمقاصد الشريعة الإسلامية ومدركًا لأصولها، بل يجب عليه كذلك أنْ يلم بواقع المجتمع، ويدرس ما فيه من طبائع وصفات ويشخص ما فيه من علل وأمراض، حتى يتمكن من علاجها.
وفهم واقع المجتمع يمكن الداعية من تحديد عدة أشياء، منها أمراض المجتمع على وجه التحديد، ثم من أين يبدأ العلاج، وكيف يتدرج به، وما هو الأوْلَى في التقديم والتطبيق، وفهم الواقع كذلك يساعد على تحديد كمية العلاج في كل مرحلة من مراحل التدرُّج، لأن كل مرحلة تحتاج إلى فقه ونوع معين من أنواع العلاج، فالذي لا يفهم واقع المجتمع ولا يتفحص فيه قد يعطي المجتمع في إحدى المراحل أكثر مما يجب أنْ يعطي له فيها، أو قد يعطيه أقل مما يجب أنْ يعطي له فيه.
وأمَّا علاج كل مرحلة ونوعه، فإنه يتحدَّد بواقع المجتمع وأفراده، فالمجتمعات متباينة في عاداتها وتقاليدها، وفي درجة التمسُّك بهذه الموروثات والتقاليد، وتختلف كذلك في درجة تمسكها بالدين والالتزام بتعاليمه.