ثم إن الفوقية الحاصلة بسبب الجهة ، ليست صفةالمدح ، لأن تلك الفوقية حاصلة للجهة والحيز بعينها وذاتها ، وحاصلة للمتكن في ذلك الحيز بسبب ذلك الحيز فكأن الله تعالى اكتسب الكمال بسبب تحيزه في الجهة وهذا باطل بلا ريب لأن المولى تبارك وتعالى كماله من ذاته لا من تحيزه في مخلوقاته.
فثبت: أن الكمال والفضيلة إنما يحصلان بسبب الفوقية ، بمعنى القدرةوالسلطة فكان حمل الآية عليه واجب.
3ـ وأما قوله تعالى: { تعرج الملائكةوالروح إليه } فنقول: ليس المراد من حرف"إلى"في قوله"إليه": المكان . بل المراد: انتهاء الأمور إلى مراده . ونظيره: قوله تعالى { وإليه يرجع الأمر كله} وقوله {وإلى الله ترجع الأمور} و كقول إبراهيم عليه السلام كما في القرآن الكريم { إني ذاهب إلى ربي سيهدين } حين هاجر بدينه عن بلاد قومه وليس المقصود به وجود الله في مكان حسي يذهب إليه إبراهيم عليه السلام،فكذلك يقال هنا.
4ـ واما تمسكهم بقوله تعالى: { أم أمنتم من في السماء}
فليس في الآية التصريح بأن الله في السماء ولم تنطق الآية بذلك قط ،ولذا فقد يكون المراد ملك من جنوده كما ثبت أن جبريل عليه السلام خسف بقوم لوط بعد أن رفعهم إلى السماء ولما لم يكن في الآيةتصريح بأن الله هو الذي في السماء لم يكن هناك وجه في استنباط ذلك ،بل إنما فهمواذلك بعقولهم من قوله (( أن يخسف بكم الأرض ) )وهو ليس بدليل قاطع على ما فهموه لأن جنود الله أيضًا قادرون على أن يخسفوا بهم الأرض إذا أراد الله تعالى فلما لم يكن في الآيةتحديد للمراد كان لاوجه للفهم الذي حملوها عليه وكان فهمهم اتباعًا للمتشابه وترك للقطعيات الدالة على امتناع حلول الله في حيز ومكان.