في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله! نحن من ربيعة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ به وندعو إليه من وراءنا) ، وكأن هذا الحي لم يزل على كفره إلى أن وفد وفد عبد القيس هذا، فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله) يعني: آمركم بالإيمان بالله، قال: (وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد بيده) أي: أنه أشار بيده وكأنه يقول: فهذه واحدة، قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان) ، فهذه الخصال الأربع التي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها.
وقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) دليل على ما بعدها، وهي شهادة أن محمدًا رسول الله، ويطلق على هاتين الشهادتين مسمى: كلمة التوحيد، ولم يذكر الحج في الحديث مع أنهم جاءوا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فرض الحج؛ لأنهم لم يكونوا مستطيعين الحج، وإنما يجب الحج على من استطاع إليه سبيلًا.
ثم زادهم فرضًا خامسًا فقال: (وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم) فإذا جاهدتم في سبيل الله عز وجل وغنمتم فعليكم الخمس المذكور في سورة الأنفال في قوله سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41] ، وهذا الخمس الخاص بالله سبحانه وتعالى يخرج قبل توزيع الغنائم، ثم يأخذ المجاهدون أربعة أخماس من المغنم فيما بينهم.
ثم قال صلى الله عليه وسلم (وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمقير أو المزفت) ، وهذه أربعة أشياء يكون التخمر والفساد فيها سريعًا فنهاهم عنها، وإن كان بعد ذلك قد رخص لهم الشرب في جميع الأواني إلا أن يكون محرمًا.
قال: (أنهاكم عن الدباء) ، الدباء: هو القرع، سواء كان القرع العسلي أو اليابس، فيعمد إلى هذا القرع فيفتح فيه فتحة بسيطة ويأخذ ما بداخله، فيصير كهيئة الإناء، فيطرح فيه النبيذ، والنبيذ: هو الشراب الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب، والنبيذ على وزن فعيل بمعنى مفعول، فهو الشيء المنبوذ الملقى بداخله، فإذا وضع التمر أو الزبيب داخل هذه القرعة أخذ في التخمر والتحول بسرعة كبيرة، فيصير خمرًا، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قال: (والحنتم) ، وهو: نوع من أنواع الجرار لها فم في جانبها، وكان لون هذه الجرار أخضر، والحنتم أو الحنتمة شيء واحد، يستعملونها كالأواني فيشربون فيها الخمر، وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك سدًا للذريعة، ولئلا توسوس لهم أنفسهم بعد ذلك فيشربون الخمر.
ونهاهم كذلك عن: (النقير) ، والنقير: مأخوذ من النقرة، وهو أن يأخذ جذعًا ملقى على الأرض فينقر فيه نقرة فيجعله مجوفًا، فيضع فيه النبيذ ويغطيه، فيتخمر سريعًا فيشربه، فنهاهم عن ذلك أيضًا.
ونهاهم كذلك عن: (المزفت أو المقير) ، وهو الإناء المطلي بالقار أو الزفت، فعندما يوضع فيه النبيذ يسخن إلى أن يتخمر، وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أيضًا.
فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى فيها أسقية الأدم -أي: أسقية الجلود، وهذه الأسقية تأكلها الجرذان- فقال صلى الله عليه وسلم: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان) .
وهذا كان في البداية، حتى يمتنع الناس عن الخمر بتاتًا، فلما تعودوا على التحريم بعد ذلك أخبرهم أن الآنية لا تحل شيئًا ولا تحرمه، فاشربوا فيما شئتم غير ألا تشربوا مسكرًا، فأصبح النهي عن هذه الآنية منسوخًا بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أنه قال: (كنت نهيكم عن الانتباذ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا) .
ففي البداية حرم النبي صلى الله عليه وسلم الانتباذ في الأسقية هذه سدًا للذريعة؛ لأن الإنسان قد تستهويه نفسه فتجعله يشرب الخمر بعد أن كان نبيذًا، ثم لما تعود الناس على هذا الحكم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الآنية لا تحرم شيئًا ولا تحله، فنسخ الحكم السابق القاضي بالنهي فأجازها.