هذا كان في فضل الصوم، أما صوم رمضان فهو أعظم، فهو فرض فرضه الله، وجعله ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وفيه ثواب عظيم عند الله سبحانه.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) ، فصيام رمضان إيمانًا واحتسابًا يغفر لك ما تقدم من ذنبك، وإذا قمت ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر لك ما تقدم من ذنبك.
وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا) .
فعندما تصوم وتقوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، وتقوم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا ففضل الله عظيم، فقد جعل للعبد ما يكفر الله عز وجل به عن ذنوبه وسيئاته ومنها رمضان، والعمرة إلى العمرة، ومنها الحج، ومنها الصلاة إلى الصلاة، ومنها الجمعة إلى الجمعة، ففضل الله على عباده عظيم، فقد جعل للعبد مكفرات عظيمة تكفر عنه بها من سيئاته.
في هذا الحديث العظيم الجليل ذكر لنا الإيمان والاحتساب، فالإيمان أن تؤمن بفرضية صيام رمضان، وأن الله فرض صيام رمضان إيمانًا، وأن تؤمن أي: أن تصدق وأن تستيقن بذلك، وأنه جعل ذلك نافلة، وأن تؤمن بأن ليلة القدر ليلة عظيمة، يقول الله عز وجل فيها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3] ، وصدقت بما قاله الله سبحانه وتعالى.
والاحتساب: أن تفعل ذلك طالبًا الأجر من الله وحده، فلا تصوم وتنتظر ثناء الناس ومديحهم، ولا تنتظر الأجر من الناس، أو الأجرين من الله ومن الناس، لكن ترجو الأجر من الله سبحانه وحده.
لذلك يقول الحافظ ابن حجر: المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، والمراد بالاحتساب: طلب الثواب من الله تبارك وتعالى.
وقال الخطابي: احتسابًا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك غير مستثقلًا لصيامه ولا مستطيلًا لأيامه.
فالإنسان الذي يصوم ولا يستثقل الصيام، ويستشعر رحمة الله عز وجل في هذا الشهر العظيم، فيتمنى المؤمن لو أن عامه كله كان رمضان حينها يكون محتسبًا.
يقول الإمام النووي: معنى إيمانًا: أي تصديقًا بأنه حق، مصدقًا بفضيلته، ومعنى الاحتساب: أن يريد الله تعالى وحده، ولا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.
فيقوم رمضان إيمانًا واحتسابًا مصدقًا بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن له في ذلك الأجر، والقيام المقصود هو أن يصلي صلاة التراويح.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) ، وهذا قيد، فالذي يكفر عنه سيئاته اجتنابه للكبائر، فيبتعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى من الكبائر، فيكفر الله عز وجل بذلك عنه سيئاته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.