أولًا الرد على الثنوية القائلين بقدم الأصلين النور والظلمة.
نقول لهم أن النور والظلام أعراض وليست أجسامًا، والعرض لا يقوم بذاته ، بل لابد له من جسم يحل فيه، والأجسام كلها من جنس واحد ، وكل جسم يسد مسد الآخر، ويجوز عليه من الوصف ما جاز على الآخر من الحركة والسكون، والبياض والسواد، والاجتماع والافتراق، فلو كان بعض الأجسام نورًا مع اشتباهها وتماثلها،لكانت كلها نورًا وكذلك لوكان منها ماهو ظلام ، لكانت كلها ظلاما، مع تماثلها، فبان بذلك أن النور والظلام لا يوصفان بأنهما أجسام، وإنما هما السواد والبياض اللذان يوجدان بالأجسام، وأنهما من جملة الأعراض، وهما بعض العالم، وليس كل العالم، ولا إرادة لهما، ولا قيام لهما بأنفسهما؛ لأن الأعراض لا تقوم بنفسها، بل لابد لها من محل تحل فيه وهو الأجسام.
وما يدل على أن النور و الظلمة لا يوصفان بالقدم،هو أنهما متضادان، وقد تقدم أن الأجسام متماثلة، وبالتالي يجوز على الجسم أن يكون مرة مضيئا نيرًا، ومرة أسود مظلمًا، ولا يجوز أن يكون ضياء الجسم ونوره موجودًا به في حال وجود سواده وظلامه، كما لا يجوز أن تكون حركته موجودة في حال سكونه، فوجب بذلك أن النور والظلمة يحدثان، ويتجددان على الأجسام، ويبطل النور في حال وجود الظلام، كما تبطل الحركة عند مجيء السكون [1] .
ثانيًا يرد على الثنوية و المجوس في قولهم إن فاعل الخير خيرٌ، وفاعل الشر شريرٌ، ولا يمكن أن يجتمع الخير والشر في موصوف واحد لتباينهما.
نقول لهم ما ذكرتموه لا يتفق لامع العقل، ولا يشهد له نقل؛ بل الثابت خلافه عقلا ونقلًا، أما عقلًا فيلزمهم على هذا الاعتقاد الفاسد، وجود إله ثالث يفعل ماليس بخير، وما ليس بشر من الممكنات.
(1) انظر الباقلاني: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ص 78 وما بعدها