الصفحة 33 من 226

ومن هذا نستشف أن البنية الطلبية لأسلوب الاستفهام بنية توليدية كأسلوب الأمر كما مرَ بنا مع تفرقةٍ دقيقة بينهما (( ترجع الى إتكائها على حركة المعنى في البنيتين ، والربط بين المستوى السطحي والمستوى العميق فيهما، وهذا الربط هو الذي يكشف التغاير في حركة المعنى ، إذ إن(بنية الأمر) تتجه فيها هذه الحركة من الذهن الى الخارج، أي من العمق الى السطح، أما ( بنية الأستفهام ) فإن الحركة فيها عكس ذلك، حيث تتجَّهُ من الخارج الى الذهن، أي من السطح الى العمق، فالمقصود من قولنا: (هل قام محمد؟) حصول (القيام) الذي في الخارج في ذهن المتكلم، والمقصود من قولنا (قُمْ) حصول (القيام) الَّذي في الذَّهن في الخارج أي أن حركَة المعنى في البنيتين ضديَّةٌ على النحو التالي:

المستوى العميق (الذَّهني) المستوى السطحي (الخارج)

الاستفهام: هل قام محمد؟ قيام محمد أو عدم قيامه

الامر: قُمْ قيام المخاطب )) (1)

يأتي الاستفهام في آيات العدد ليحقق أغراضًا بلاغية مقصودة إذ أن معظم الاستفهامات في القرآن الكريم لا تحتاج الى جواب لأنها من عالم الغيب والشهادة وإنما يُراد بها توبيخ السامع وتقريره (2) ،أو (( تبينها على خطئهِ، وزجرًا له عن ركوب ما يؤدي بهِ الى التهلكة ) ) (3) فكثيرًا ما كان المشركون ينكرون الأحكام والشرائع الدينية وإفرادَهُ سبحانه بالوحدانية والعلم بعدد السنين والحساب،لذلك جاء الإنكار في المرتبة الأولى من بين المعاني المجازية لهذا الأسلوب مع مشاركة معانٍ أخرى كالتوبيخ والاستبعاد والتعجبالخ.

(1) البلاغة العربية (قراءة أخرى) : 285

(2) ينظر البحر المحيط: 2/418 ، والمقتضب: 3/292

(3) أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 411-412

الفصل الأول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت