فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 64

بعد هذا كله نهى إبراهيم (عليه السلام) أباه عن عبادة الشيطان، وإن كان لم يصرح الأب بها، قال ابن عطية (ت 546هـ) : يحتمل أن يكون أبوه ممن يعبد الجن، ويحتمل أن يجعل طاعة الشيطان المعنوي في عبادة الأوثان والكفر بالله تعالى [1] . فعبادته للأصنام إنما هي عبادة للشيطان لأنه هو الداعي إليها والراضي بها، ونسبة الفساد إلى الشيطان متقررة في نفوس البشر، ولكن الذين يتبعونه لا يفطنون لحالهم ويتبعون وساوسه تحت ستار التمويه. وبين له أن الشيطان كان للرحمن عصيًا يعني عاصيًا [2] . وفي هذا تعليل لموجب النهي وتأكيد له، والإظهار في موضع الإضمار { ِ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } لزيادة التقرير [3] . ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص، وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم، وينتقم منه [4] . (( وفي إضافة العصيان إلى الرحمن إشارة على أن المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها ) ) [5] . كما أن لفظ (الرحمن) هنا فيه تنبيه على سعة رحمته، وأن من هذا وصفه هو الذي ينبغي أن يعبد ولا يعصى [6] .

5-التخويف بحكمة

وهنا يأتي تخويف الأب من العذاب، ولم يصرح إبراهيم (عليه السلام) بلحوق العذاب بأبيه، بل أظهر له الشفقة والخوف عليه من عذاب الرحمن، فأتى بلفظ المس الذي هو ألطف من المعاقبة، ونكر العذاب ورتب على مس العذاب ما هو أكبر منه [7] فقال:

(1) ابن عطية، المحرر الوجيز 4/18 .

(2) ابن الجوزي، زاد المسير 5/236. وانظر: الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير 16/116، 117.

(3) الألوسي، روح المعاني 16/97.

(4) البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 4/8.

(5) السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 5/112.

(6) ابن حيان، البحر المحيط 6/194.

(7) ابن حيان، البحر المحيط 6/194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت