فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 63

وأما الشبهة الثّّانية ــ وهي المتعلقة بالجزاء والثّواب ــ فمرجعها لما ظنّوه من أنّ الشخص الواحد لا يجتمع فيه الثّواب والعقاب. فهوإما مثاب، وإما معاقب. وقد نقل شيخ الإسلام هذا عنهم. فقال في سياق تقرير معتقدهم في مرتكب الكبيرة: (وأصل هؤلاء أنّهم ظنّوا أنّ الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثّواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذّمّ، بل إما لهذا وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها) [1] . ثمّ إنّهم لما قرّروا هذا الأصل ورأوا أنّ النّصوص جاءت باستحقاق أهل الذنوب للعقوبة، حكموا فيهم بأنّهم خالدون مخلّدون في النار. فهذا هو أصل شبهتهم فيما اعتقدوه من أحكام الآخرة في حقّ أهل المعاصي وزعمهم أنّهم مخلّدون في نار جهنم كالكفار. ثم إنّه قوّى هذه الشبهة في نفوسهم، ما اعتقدوه من وجوب إنفاذ الوعيد على الله تعالى: (فإنّهم سمعوا نصوص الوعيد فرأوها عامّة، فقالوا يجب أن يدخل فيها كلُّ مَنْ شملته،وهو خبر،وخبر الله صدق،فلو أخلف وعيده كان كإخلاف وعده والكذب على الله محال) [2] . والخوارج في هذا وافقوا المعتزلة في وجوب إنفاذ الوعيد في العصاة دون الوعد؛ ولهذا يسمّون: (وعيدية) ، ويقابلهم المرجئة القائلون بإنفاذ الوعد في حقّ العصاة دون الوعيد. فالوعيدية قالوا: نصوص الوعد لا تتناول إلاّ مؤمنًا، والعصاة ليسوا مؤمنين، والمرجئة قالوا:نصوص الوعيد لا تتناول إلاّ كافرًا، والعصاة ليسوا كافرين [3] .

(1) شرح الأصفهانية، ص: 226.

(2) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 16/418، وانظر: مجموع الفتاوى 12/480، 14/347، 348، 18/191، 8/270.

(3) انظر: مجموع الفتاوى 12/481.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت