أما الفريق الثالث فنجد مذهبه ممثلًا عند ابن جني الذي عقد في (الخصائص) بابًا سماه: باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض [160] . وبدأ الباب بأن أشار إلى بُعد الناس عن الصواب في قولهم، وراح يعدد بعض الشواهد التي يستشهدون بها، ثم قال:"ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، لكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع، على حسب الأحوال الداعية إليه، والمسوغة له، فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا، ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلًا هكذا لا مقيدًا لزمك عليه أن تقول: سرت إلى زيد وأنت تريد: معه، وأن تقول: زيد في الفرس وأنت تريد: عليه، وعدد أمثله أخرى مما لا يجوز قوله، ثم ذهب يبين متى يجوز هذا فقال: اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الطرفين موقع صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر. فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه، وذلك كقوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } [ 187 - البقرة ] وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة وإنما تقول رفثت بها، أو معها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء وكنت تعدي أفضيت بـ (إلى) كقولك: أفضيت إلى المرأة جئت بـ (إلى) مع الرفث، إيذانًا وإشعارًا أنه بمعناه" [161] . ولا يكتفي ابن جني باستخدام التضمين لتفسير هذه الظاهرة وإنما بتقدير محذوف إن لزم المعنى ذلك وسوف نحاول إيراد تخريجاته في موضعها إن شاء الله .