وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بالسّنّة ودعوا قولي. وروي عنه: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي. وروي عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة, وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التّثويب, واشتراط التّحلل [1] من الإحرام بعذر المرض, وغيرهما مما هو معروف. وممّن أفتى بالحديث البويطيّ والدّاركيّ [2] ونصّ عليه الكيا الطّبريّ, واستعمله من أصحابنا المحدّثين: البيهقيّ وآخرون.
وكان جماعة من متقدّمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشّافعيّ بخلافه عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين: مذهب الشّافعي ما وافق الحديث. ولم يتفق ذلك إلا نادراً لما نقل عن الشّافعيّ. وهذا الذي قاله الشّافعي ليس معناه أنّ كلّ من رأى حديثاً صحيحاً, قال: هذا مذهب الشّافعيّ بظاهره [3] , وإنّما هو فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدّم من صفته أو قريب منه, وشرطه: أن يغلب على ظنّه أنّ الشّافعيّ لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحّته, وهذا إنّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها ونحوها من
(1) في (س) : (( التحليل ) )!.
(2) هو: الإمام الفقيه عبد العزيز بن عبد الله بن محمد, أبو القاسم الشّافعيّ, من أصحاب الوجوه, ت (375هـ) . انظر: (( السير ) ): (16/ 404) .
(3) في هامش (ي) ما نصّه:
(( وقد ذكر ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى- هذا في (( العمدة ) ): إنّه صح رفع اليدين في القيام من الركعتين الأوليين, ثمّ قال: فالأولى عندي أن يقال: إنه صح في الحديث ولا يقال: إنه مذهب الشافعي. فراجعه. شيخنا حفظه الله وبارك في أيّامه )) اهـ.