الصفحة 8 من 3036

إن اختلاف المدارك والأنظار، وتنوع الأفكار البشرية ، مسألة شغلت اهتمام الباحثين والدارسين في الفكر الإنساني عبر العصور. وكانت أيضا موضع عناية في الفكر الإسلامي، خاصة بعد عصر النبوة. ففي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن الكريم والسنة النبوية مرجعا عند الإشكال وموئلا عند الاختلاف، فلم يكن لاختلاف الفهم والنظر أثر كبير في حياة المسلمين، لأن كل اختلاف ينتهي بعد حين إلى ائتلاف واجتماع على رأي واحد، عندما يرفع الأمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ينزل الوحي فيحسم الأمر. فقد كان نزول الوحي يساير حركة المجتمع وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الإمامة والحكم والقضاء في جميع الحوادث، إما بالقرآن الكريم أو بسنته القولية أو العملية، حتى قال ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا:َ كُنَّا نَتَّقِي الْكَلَامَ وَالِانْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - هَيْبَةَ أَنْ يَنزلَ فِينَا شَيْءٌ فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا (1) * حتى إذا اكتمل الدين وتمت النعمة، انتقل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فانتقل أمر تدبير شؤون المسلمين والبث في قضاياهم والحكم بينهم والاجتهاد في ما ينزل بهم إلى أهل العلم والخبرة من الصحابة ثم من جاء بعدهم إلى أن تقوم الساعة. ومن المعلوم بالبداهة والضرورة، أن الصحابة ومن بعدهم ليس لهم ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - من التأييد بالوحي والعصمة من الغلط والخطأ. فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسألة ليس كحكم غيره في القوة والحجية، وبيان مراد الله تعالى من كلامه، إذا كان من اجتهاد غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليس في القوة مثل ما إذا كان ممن لا ينطق عن الهوى، وذلك لحصول المزية

(1) - البخاري، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت