توفي رحمة الله عليه بعد حياة حافلة بالجد والعمل والجهاد العلمي والفكري والدعوي عام 1379 للهجرة النبوية الموافق للعام الميلادي 1960 . وإن أثره ومسلكه العلمي مازال قائما في تركيا ، ونهجه في التربية والدعوة مازال يؤتي أكله، وإن علمه وأفكاره قد امتد أثرها إلى أجزاء كثيرة من البلاد الإسلامية. فقد اكتسب رحمة الله عليه البقاء المعنوي بعد موته، فتوارى جسده في التراب، لكن ذكره مازال حيا لأن أفكاره ونظراته مازالت حاضرة بين الناس، يتدارسونها ويتقربون بها إلى الله ، ويستفيدون منها الرقي الفكري والمعنوي. وهذه حقيقة من الحقائق التي عبر عنها رحمة الله عليه، فبين أن الوجود المادي ليس شيئا لأنه لا محالة إلى زوال، إنما الوجود الحقيقي هو البقاء المعنوي، وذلك لا يحصل لا لمن غرس شجرة الخير والصلاح. قال رحمة الله عليه:"إن كل موجود بعد ذهابه من الوجود، يذهب إلى العدم والفناء ظاهرا، ولكن تبقى المعاني التي كان قد أفادها وعبر عنها وتحفظ، وتبقى كذلك هويته المثالية…بمعنى أن الموجود يفقد وجودا ظاهريا صوريا، ويكسب مئات من الوجود المعنوي والعلمي" (1) وإن بديع الزمان النورسي قد اختفى جسده، ولا يعلم حتى أقاربه مكانه ولا موضع جثمانه، لأن خصومه أرادوا إعدام ذكره، فغيبوا قبره عن أنظار الناس، ولكن غاب عنهم أن الرجل قد سكن قلوب أتباعه ومحبيه.
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
ففز بعلم تعش حيا به أبدا الناس موتى وأهل العلم أحياء
(1) المكتوبات ص 378 - 379 ).