{ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } يعني: نفي العقل هاهنا؛ إما أن يراد نفي العقل كله؛ لا عقول لهم؛ معلوم أن عندهم عقولا، ولكن عقول معيشية { أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } ؛ يدل على أن فيهم من هم عقلاء، ولكن الأكثرية لغير العقلاء أي للذين عقولهم ناقصة.
ثم يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } يدل على أنهم ما صبروا؛ بل أخذوا يصيحون، ويكررون: يا محمد ؛ اخرج، يا محمد اخرج إلينا؛ يكررون ذلك؛ فدل ذلك على أن عندهم شيئا من الجفاء؛ لأنهم نشئوا في البوادي وفي البراري، وهذه عادة أهل البراري.
وكذلك أيضا كانوا أصحاب مواشي يسيرون خلف مواشيهم إبلهم وبقرهم ونحوها؛ يتبعون آثارها، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الذين يتبعون ذلك معهم غلظ الطبع؛ ثبت عنه أنه قال:"إن الفظاظة وغلظ الطبع في الفدادين أصحاب الإبل، والسكينة في أصحاب الغنم"فأكثر أولئك البوادي رعاة إبل، وصفوا في هذا الحديث بأنهم أهل فظاظة، وأهل غلظ طبع. الفظاظة: كون أحدهم فظا غليظ الطبع، والله تعالى قد نزه نبيه عن ذلك في قوله:
{ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ سورة آل عمران، الآية: 159 ] ؛ فكذلك هؤلاء كان معهم هذه الصفة؛ فلذلك ما صبروا.