فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 46

المظهر الثالث: استبسالهم في نشر القرآن والدفاع عنه وعن هدايته، فأخلصوا لهُ وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه وهو مدافع عنه، ومنهم من انتظر حتى أتاه اليقين، وهو مجاهدٌ في سبيله ومضحٍ بنفسه ونفيسه. وقد بلغ الأمر إلى حدّ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يردّ بعض مَن يتطوعوا بالجندية من الشباب لحداثة سنّهم، ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أجاز يوم أُحد سمُرة بن جُندب الفزاريّ، ورافع بن خديج أحد بني حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردّهما، فقيل له: يا رسول الله إن رافعًا رامٍ، فأجازه، فلمّا أجاز رافعًا قيل له: يا رسول الله فإنّ سَمُر يصرعُ رافعًا، فأجازه، وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وعبد الله ابن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب وغيرهم، ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة [1] . وكان الشباب يحزنون إذا أُقصوا عن ميدان القتال لحداثة سنّهم ويتألّمون لحرمانهم من ثواب الجهاد في سبيل الله. وكان كثير من ذوي الأعذار يُؤلمهم التخلّف عن الغزوة حتى يضطرّ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتخلّف معهم جبرًا لخاطرهم، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلّفت عن سريّة تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أُقتَل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أُقتَل، ثم أحيا، ثم أُقتَل، ثم أحيا، ثم أُقتَل" [2] .

(1) انظر: ابن هشام، السيرة النبوية (3/74) .

(2) البخاري، ومعه فتح الباري، كتاب الجهاد والسِّير، باب تمنّي الشهادة، رقم (2797) (6/20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت