وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه - وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك - ليخفروك. فقام سعد مغضبا للذي ذكر له، فأخذ حربته، وخرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشئمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟
وقد كان أسعد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس. فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. ففعل ذلك [1] .
إننا في هذه الأيام بحاجة ماسّة إلى أمثال مصعب بن عمير الذي عرف بنود مهام تكليفه، وقام بها خير قيام، واستنفد وقته في المدينة يدعو إلى الله بحكمة وحنكة، ويفعّل أثر القرآن في النفوس، فتأتيه القلوب طيّعة مؤمنة.
مظاهر تأثير القرآن الكريم في نفوس أوليائه [2] :
(1) الطبري: محمد بن جرير (ت: 310 هـ) تاريخ الأمم والملوك (1/560) دار الكتب العلمية _بيروت (ط1/1407 هـ) ،وابن كثير، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر (ت: 774) ، البداية والنهابة، (3/152) ، مكتبة المعارف - بيروت، والكلاعي، أبو الربيع سليمان بن موسى (ت:634هـ) ، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ومغازي الثلاثة الخلفاء (1/317) عالم الكتب - بيروت، (ط1/1997م) ، تحقيق: د. محمد كمال الدين علي.
(2) انظر الزرقاني ، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن (2/439) ، دار الكتب العلمية، بيروت (ط1/1988م) .