فإذا أضفنا إلى ذلك أن اثنين من أعلام التابعين هما الثوري والنخعي أنكرا حد الردة وقالا بالاستتابة أبدا .. وأن بعض علماء الأحناف لا يرون قتل المرأة بالردة لأنها ليست محاربة .. ترجح لدينا ما يقول به الترابي وغيره من المعاصرين من التمييز بين الردة الفكرية ، والردة السياسية -العسكرية ، فالأولى لا عقوبة عليها في القانون الجنائي الإسلامي ، والثانية لها عقوبة تعزيرية تترواح ما بين القتل والسجن وغير ذلك مما تقدره السلطة الشرعية العادلة . وعلة العقوبة هنا تفريق صف الجماعة والخروج على نظامها الشرعي ، فهي عقوبة على الجريمة المصاحبة لتغيير الدين لا على تغيير الدين . أما تغيير الدين فعقوبته عقوبة أخروية عند الله تعالى ، وهي أغلظ من أي عقوبة دنيوية يتخليها البشر . ومما يرجح التمييز بين الردة الفكرية والردة السياسية - العسكرية أن لفظ الردة في عهد النبوة كان يستخدم استخداما واسعا لا يقتصر على معناها الاعتقادي الذي شاع في كتب الفقه فيما بعد ، ومن ذلك:"قال رجل أما سلمة فقد ارتد عن هجرته" [51] .
والتمييز بين قتال المرتد المحارب وقتل المرتد المسالم ليس بجديد ، فقد عزاه ابن حزم إلى طائفة من أهل العلم ، وشرحه بموضوعية فقال:"ومنهم من قال بالاستتابة أبدا وإيداع السجن فقط ، كما قد صح عن عمر مما قد أوردنا قبل . ووجوب القتال هو حكم آخر غير وجوب القتل بعد القدرة , فان قتال من بغى على المسلم , أو منع حقا قِبَله وحارب دونه ، فرض واجب بلا خلاف ، ولا حجة في قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة , لأنه حق بلا شك , ولم نخالفكم في هذا , ولا يصح أصلا عن أبي بكر أنه ظفر بمرتد عن الإسلام غير ممتنع باستتابة فتاب فتركه , أو لم يتب فقتله ، هذا ما لا يجدونه" [52] .