مثال آخر من مسائل هذا القسم من المآخذ التي أُخذت على الترابي ، هو رفضه قتل المرتد . ومن حق الترابي أن يجتهد في موضوع عقوبة القتل على الردة ، وله في ذلك مستند من آيات القرآن الكريم ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين . فقد أجمع الصحابة على قتل المرتد المحارب ، كما هو واضح من حروب الردة التي قادها الصديق ضد المرتدين عن الإسلام الخارجين على سلطة الخلافة الراشدة . أما المرتد غير المحارب ، فقد صح عن بعض الصحابة منهم أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ما يفيد قتل المرتد المسالم .
ففي البخاري:"... زار معاذ أبا موسى ، فإذا رجل مُوثَق ، فقال: ما هذا ؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد ، فقال معاذ: لأضربن عنقه" [49] .
وفي المقابل صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يفيد عدم قتل المرتد المسالم ، وهو واضح من قول عمر عن رهط من بني بكر بن وائل ارتدوا والتحقوا بالمشركين وقتلهم المسلمون في المعركة:"لأن أكون أخذتهم سِلْما كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء ، قال: [ أنس بن مالك ] فقلت: وما كان سبيلهم لو أخذتَهم سلما ؟ قال [ عمر ] : كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه ، فإن أبوا استودعتهم السجن" [50] .. والسؤال هنا هو: هل من الوارد أن يتأسف عمر على قتل مرتدين لو كان يؤمن بأن قتل المرتد حد من حدود الله ؟ وهل سيتحدث عن إيداعهم السجن لو كان يؤمن بأن حد الردة القتل وهو من هو في الشدة والصرامة في الحق ؟!؟ وهل يدرك المسارعون إلى المناداة بإهدار دم المرتد مغزى قول عمر:"لأن أكون أخذتهم سلما كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء"؟!؟