والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها ، كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فيتكدر بها شاربه . وهي من تمام نفع الدواء ، فإنه أثارها ليذهب بها ، فإنه لا يجامعها ولا يشاركها . . . فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار الزبد والغثاء والخبث ، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستقي منه الناس ، ويزرعون ويسقون أنعامهم . كذلك يستقر في قرار القلب الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره 36.
وليس هذا لكل علم ، بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع 37.
رابعًا: محاسبة النفس 38.
اعلم رحمك الله بأنّ محاسبةَ النَّفسِ من الدواءِ الناجعُ لعلاجِ القلوب . ولمَّا تركَ النَّاسُ اليومَ محاسبةَ النفسِ عاشوا في الهموم والغمومِ .
قالَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه:"حاسِبُوا أنْفُسَكُم قبلَ أنْ تُحَاسَبُوا ، وزِنُوا أنْفُسَكُم قبلَ أَنْ تُوزَنوا ؛ فإِنَّهُ أهونُ عليكُم في الحسابِ غدًا أنْ تُحاسِبوا أنْفُسَكُمُ اليومَ ، وتزَيَّنُوا للعَرْضِ الأكْبَرِ: ( يوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [ الحاقة: 18 ] ". وقال الفُضَيل بن عِياض: المؤمنُ يحاسب نفسه ويعلم أنّ له موقفًا بين يدي الله تعالى ، والمنافق يغفل عن نفسه ، فَرَحِمَ اللهُ عبدًا نظر لنفسه قبل نزول مَلَك الموتِ بِه 39 .
ويعينه على هذه المحاسبة: معرفته أنّه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدًا إذا صار الحساب إلى غيره ، وكلّما أهملها اليوم اشتدّ عليه الحساب غدًا .