وذكر الله ينبه القلب من نومه ، ويوقظه من سنته ، والقلب إذا كان نائمًا فاتته الأرباح والمتاجر، وكان الغالب عليه الخسران ، فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته ، شد المئزر، وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ، ولا تحصل يقظته إلا بالذكر، فإن الغفلة نوم ثقيل 32 .
واعلم: بأن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى ، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى .لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة ، اشتدت به القسوة ، فإذا ذكر الله تعالى ، ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار ، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عزوجل .
ثالثًا: العلم النافع .
اعلم رحمك الله بأنَّ القلب لا يخرج مرضه عن شهوة أو شبهة أو مركب منهما.
وهذه الأمراض كلها متولدة عن الجهل ودواؤها العلم،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صاحب الشجة الذي أفتوه بالغسل فمات: »قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا ؟ إنما شفاء العي السؤال «33. فجعل العيَّ ـ وهو عيُّ القلب عن العلم واللسان عن النطق به - مرضًا ،وشفاؤه سؤال العلماء .
فأمراض القلوب أصعب من أمراض الأبدان ؛ لأن غاية مرض البدن أن يفضي بصاحبه إلى الموت ، وأما مرض القلب فيفضي بصاحبه إلى الشقاء الأبديِّ،ولا شفاء لهذا المرض إلا بالعلم .
قال بعض العارفين: أليس المريض إذا منع الطعام رالشراب والدواء يموت ؟ قالوا: بلى.قال: فكذلك القلب إذا منع عنه العلم والحكمة ثلاثة أيام يموت .
وصدق فإن العلم طعام القلب وشرابه ودواؤه ، وحياته موقوفة على ذلك . فإذا فقد القلب العلم فهو ميت ، ولكنْ لا يشعُرُ بموتهِ 34.
وبالجملة ؛ فالعلم للقلب مثل الماء للسمك إذا فقده مات ، فنسبة العلم إلى القلب ، كنسبة ضوء العين إليها ، وكنسبة سمع الأذن ، وكنسبة كلام اللسان إليه ، فإذا عَدِمَهُ ، كان كالعين العمياء والأذن الصماء ، واللسان الأخرس 35.