كل حاسة من الحواس الخمسة تحتاج في إدراكها محسوساتها الى شروط عدة لا زائدة ولا ناقصة ، فإذا انعدم واحد من هذه الشروط أو بعضها أو زادت على المقدار الذي ينبغي ، فعند هذه الحالة لا تدرك القوة الحاسة محسوساتها على حقيقتها ، مثال ذلك حاسة البصر أو بتعبير الإخوان ( القوة الباصرة ) تحتاج هذه القوة في إدراكها محسوساتها الى ضوء ما ، وبعد ما ، ومحاذاةٍ ما ، والى وضعٍ ما ، فمتى عُدم شيء منها عاقها ذلك عن إدراكها المبصرات بحقائقها 0 وذلك إن هذه القوة لا يمكنها إدراك الضياء المفرط والنور الباهر ، كما لا يمكنها إدراك المبصرات في الظلمة الظلماء 0 الإنسان مثلًا لا يمكنه النظر الى عين الشمس نصف النهار في يومٍ صائفٍ ، كما لا يمكنه رؤية الأشياء الصغيرة في الظلمة الظلماء ، ولا رؤيتها في البُعد الأبعد ، ولا في القُرب الأقرب ، إذا وضع الإنسان يده مثلًا قرب الجفن ولا يستطيع الإنسان أن يرى الأشياء من غير محاذاة كما لا يستطيع أن يرى الأشياء المتحركة حركة شديدة ، كالنبل المارّ متى رمي عن قوسٍ شديدة 0 وعلى هذا القياس حكم سائر الحواس فهي تحتاج في إدراكها محسوساتها الى شرائط عديدة ، فمتى انعدمت واحدةٍ منها أو أُنقصت عن المقدار أو زادت عليه ، عوقها عن إدراك محسوساتها [1] ولا بد من الإشارة الى مسألة مهمة أكدها إخوان الصفاء وهي أن لكل حاسة محسوسات مختصة بها بالذات ومحسوسات بالعرض ، والخطأ الذي يقع إنما يقع على المحسوسات التي بالعرض أما المحسوسات التي لها بالذات فلا تخطئ في إدراكها 0 مثال ذلك حاسة البصر فالمبصرات التي لها بالذات هي الأنوار والضياء والظُلم أما الألوان فإن ذلك لها بتوسط النور والضياء ، وأما سائر الأجسام وسطوح أشكالها وأوضاعها وأبعادها وحركاتها فهو بتوسط اللون ، وذلك أن كل جسم لا لون له ، لا يُرى ولا يدكه البصر 0 أما القوة السامعة التي
(1) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج3 ، ص 409 0