فهي تريد أن تظهر أمام ضرَّتها أن زوجها يفضلها عليها ، ويميل إليها ، فيعطيها ما لا يعطي الأخرى، لتكيدها وتؤذي مشاعرها ، فبماذا شبهها النبي ُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن فعلت ذلك ؟ إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ صوَّر هذه الفعلة الشائنة بمن يتزيَّا بزيّ أهل الزهد أو العلم أو الثروة ليغتر به الناس ، وهو غير ذلك .
7ـ وتوكَّلََتْ على الله ولجأت إليه في العسر واليسر ووصلت حبلها بحبله فكانت أهلًا للأسوة الحسنة والقدوة الطيبة ، فاستنَّ الناس بسنَّتها ، واقتدوا بسيرتها .
وقد حدثنا النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قصة هاجر أم إسماعيل عليه السلام ، فقد جاء إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل ، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت الحرام ، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعها هناك ، ووضع عندها جِرابًا فيه تمر ، وسقاءٌ فيه ماء ، ثم قفّى إبراهيم منطلقًا ، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيئ ؟ فقالت ذلك مرارًا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له: آللهُ أمرك بهذا ؟ قال: نعم . قالت: إذًا لا يضيّعنا ، ثم رجعت .
جواب رائع ، رائع ، يدلُّ على عظيم الإيمان بالله سبحانه ، وجميل التوكل عليه ، والرضا بقضائه ، فهو سبحانه خيرٌ حافظًا ، وهو أرحم الراحمين .
وقال الملك الذي حفر بجناحه زمزم: (( لا تخافوا الضيعة فإن ههنا بيتًا يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإنّ الله لا يضيّع أهله ) ) [1] . نعم إن الله لا يضيّع أهله .
فإن فعلت تلك التي تندرج تحت سمة التقوى كانت امرأة صالحة مصلحة ، ودرجت في مرابع الإيمان ، وكانت حَرِيّة أن تبني جيلًا عظيمًا وأمّةً ثابتة الأركان ورجالًا يبنون بسواعدهم المؤمنة وعقولهم الراجحة مجد أمتهم . نسأل الله ذلك .
المرأة التقيّة
(1) أخرجه البخاري برقم ( 3364 ) .