(ويكون) بالنصب - عطفًا على"يجتمع" (من أهل الاجتهاد) قال في الهداية: والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية، فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، لأنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره، ومقصود القضاء يحصل به وهو إيصال الحق إلى مستحقه، ولكن ينبغي للمقلد أن يختار من هو الأقدر والأولى، لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من قلد إنسانًا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان اللّه ورسوله وجماعة المسلمين) وفي حد الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه.
وحاصله: أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه، ليعرف معاني الآثار، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث، لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: أن يكون مع ذلك صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس، لأن من الأحكام ما يبتنى عليها، اهـ.
(ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه) أي يعلم من نفسه (أنه يؤدي فرضه) وهو الحكم على قاعدة الشرع، قال في الجوهرة: وقد دخل فيه قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أحوط وأسلم للدين والدنيا؛ لما فيه من الخطر العظيم والأمر المخوف.
(ويكره الدخول فيه لمن خاف العجز عنه) أي عن القيام به على الوجه المشروع (ولا يأمن على نفسه الحيف فيه) أي الظلم، قال في الهداية: وكره بعضهم الدخول فيه مختارا؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين) ، والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعًا في إقامة العدل، والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه فلا يوفق له، أو لا يعينه غيره، ولابد من الإعانة، إلا إذا كان هو الأهل للقضاء دون غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد، صيانة لحقوق العباد، وإخلاء للعالم عن الفساد، اهـ.
(ولا ينبغي) للإنسان (أن يطلب الولاية) بقلبه (ولا يسألها) بلسانه،
لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل عليه ملكٌ يسدده) .
ثم يجوز التقليد من السلطان العادل والجائر ولو كان كافرًا كما في الدر عن مسكين وغيره، إلا إذا كان لا يمكنه من القضاء بالحق؛ لأن المقصود لا يحصل بالتقليد].
(ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي) كان (قبله) وهي الخرائط التي فيها السجلات وغيرها، لأنها وضعت فيها لتكون حجة عند الحاجة، فتجعل في يد من له ولاية القضاء، فيبعث أمينين ليقبضاها بحضرة المعزول أو أمينه، ويسألانه شيئًا فشيئًا، ويجعلان كل نوع منها في خريطة كيلا تشتبه على المولى، وهذا السؤال لكشف الحال، لا للالزام، هداية.
(وينظر في حال المحبوسين) لأنه جعل ناظرًا للمسلمين (فمن اعترف بحق ألزمه إياه) عملا بإقرار (ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينة) لأنه بالعزل التحق بالرعايا، وشهادة الفرد ليست بحجة، ولاسيما إذا كان على فعل نفسه، هداية. (فإن لم تقم) عليه (بينة لم يعجل بتخليته) بل يتمهل (حتى ينادى عليه) بالمجامع والأسواق بقدر ما يرى (ويستظهر في أمره) ؛ لأن فعل المعزول حق ظاهر، فلا يعجل بتخليته، كيلا يؤدي إلى إبطال حق الغير.
(وينظر في الودائع) التي وضعها المعزول في أيدي الأمناء (وارتفاع الوقوف) أي غلاتها (فيعمل على) حسب (ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده) لأن كل واحد منهما حجة (ولا يقبل) عليه (قول المعزول) لما مر (إلا أن يعترف الذي هو في يده أن) القاضي (المعزول سلمها) أي الودائع أو الغلات (إليه فيقبل قوله) أي المعزول (فيها) لأنه ثبت بإقرار ذي اليد أن اليد كانت للمعزول فيصح إقراره كأنه في يده في الحال.
(ويجلس) القاضي (للحكم جلوسًا ظاهرًا في المسجد) ويختار مسجدا في وسط البلد تيسيرًا على الناس، والمسجد الجامع أولى، لأنه أشهر.
(ولا يقبل هدية) من أحد (إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل) تقلد (القضاء بمهاداته) قال في الهداية: لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جريٌ على العادة، وفيما وراء ذلك يكون آكلا بقضائه حتى لو كانت للقريب خصومة لا يقبل هديته، وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة؛ لأنه لأجل القضاء فيتحاماه، اهـ.
(ولا يحضر دعوة إلا أن تكون) الدعوة (عامة) لأن الخاصة مظنة التهمة، بخلاف العامة (ويشهد الجنازة، ويعود المريض) لأن ذلك من حقوق المسلمين.
(ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه) لما فيه من التهمة، وفي التقييد بأحد الخصمين إشارة إلى أنه لا بأس بإضافتهما معًا (وإذا حضرا) أي الخصمان (سوى) القاضي (بينهما في الجلوس) بين يديه (والإقبال) عليهما، والإشارة إليهما، يفعل ذلك مع الشريف والدنئ، والأب والابن، والخليفة والرعية.
(ولا يسار أحدهما، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجة) ولا يضحك في وجهه؛ احترازًا عن التهمة، ولا يمازحهم ولا واحدًا منهم؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء.